تتصرّف الحكومة في لبنان وكأن الانتصار المرحلي على انتشار فيروس كورونا، يعني انتصاراً على المدى الطويل، فيما لا تزال الضبابية تلف هذا الوباء عالمياً، وسط توقعات علمية وطبية بأن تمتد مرحلة «التعامل» معه في صورة واضحة الى نهاية العام الحالي. تختلف مقاربة لبنان مثلاً عن محاولات دول كألمانيا والسويد وإسبانيا وإيطاليا وفرنسا، الساعية الى إجراءات تمهيداً لفكّ العزل وعودة الحياة الى بعض مرافقها، في موازاة استمرار استنفارها الطبي واستنهاض مختبراتها ومصانعها لتأمين الأجهزة اللازمة كافّة.

ففي لبنان، لا تزال الحصيلة الطبية، بحسب الارقام الرسمية، مقبولة وطبيعية. ومع ذلك لا يمكن قراءة حرص الحكومة والأجهزة الرسمية الأمنية على صحة المواطنين، وانتشار حواجز أمنية لتطبيق العزل المنزلي، على أنه لأسباب طبية فحسب. تحاول الحكومة نيل «شهادة حسن سلوك» من المجتمع الدولي، ولا سيما من الدول المعنية بتأمين مساعدات للبنان مستقبلاً. ففي موازاة إقدامها على دراسة خطة مالية تريد حكماً من هذه الدول المصادقة عليها لتأمين أموالها، تسعى الى تقديم نموذج جيد في إدارة الأزمة الصحية، ما جعل لبنان الذي يفتقر الى الخدمات الاساسية، في مرتبة مقبولة عالمياً لجهة عدد الإصابات والوفيات. ورغم ما جرى من محسوبيات في استقدام المغتربين وتوزّعهم حصصاً سياسية، فإن الحكومة أيضاً أظهرت نفسها أمام المجتمع الدولي بأنها راعية لمواطنيها وطلابها، الذين لم يؤمِّن لهم مصرف لبنان مستحقاتهم وهم في الخارج. هي الحكومة نفسها المطوّقة خارجياً على المستوى السياسي، وتعمل على اجتذاب أي نوع من المساعدات الخارجية، رغم ما تلاقيه حتى الآن من تضييق، تحاول كسب الوقت من خلال إجراءات العزل المتوقع تمديدها مرحلة جديدة الى ما بعد نيسان الجاري، لاستكشاف آليات العمل لامتصاص النقمة الداخلية من جرّاء الانهيار المالي: أي حين يعود اللبنانيون من فترة العزل ويخفّ انشغالهم بالعدوى، فلا يجدون وظائفهم، أو يتلمسون فعلياً انخفاض قيمة رواتبهم الى أكثر من النصف، وحين يعودون الى الاستهلاك اليومي فيجدون أن أسعار المنتجات باتت أعلى ممّا يستطيعون تأمينها. وهي بذلك تسعى الى تمديد مهلة السماح التي تعطى في المبدأ الى أي حكومة، من خلال استثمار عاملين: واحد عن غير قصد وهو انتشار الفيروس، والثاني عن قصد في «تفريق المواطنين والمتظاهرين» في ظل أزمة مالية بدأت تظهر حدتها بقسوة، ما جنّبها حتى الآن عنصر المواجهة المباشرة مع المعترضين على أدائها. وهؤلاء ليسوا قلة، والأزمة المالية والاجتماعية المتفاقمة زادت من شعور أكبر شريحة مجتمعية بواقع الفقر والجوع، وهو ما لم يحصل في عزّ سنوات الحرب الاهلية، إذ ليس أمراً عابراً أن تكون الحكومة والأجهزة الأمنية مستنفرة، تماماً كما رئاسة الجمهورية مباشرة أو عبر المجلس الاعلى للدفاع، لتمديد فترة العزل، فيما كل هؤلاء غير قادرين بعد على لجم إجراءات مصرف لبنان والمصارف كافة، في موازاة ارتفاع جنوني لسعر الدولار، كما حصل أمس. وليست مفهومة المبالغة في الإجراءات الأمنية ضد الناس وتحميلهم المسؤولية عن تفشي المرض، بعدما تأرجح التطبيق العملاني للتعبئة بين عدم إعطاء الجيش مهام ضبط الوضع لأسباب سياسية، وتكليف قوى الأمن بفعل قرار وزير الداخلية بتطبيق قرارات إدارية، وأخيراً نصب أمن الدولة حواجز لتنفيذ أوامر التعبئة.

الحكومة امام استحقاق تحسين صورتها في الداخل، ومهمتها الأساسية ليست تصنيع لقاح

كذلك لا يفهم التغاضي في الوقت ذاته عن ممارسات بعض القطاع الخاص الاستشفائي والتجاري والصناعي والتربوي والمصرفي، فلا تتحرك الوزارات المعنية لمواجهة ارتكاباتها اليومية ضد المواطنين. وكذلك لا يمكن لحكومة تحاول إنقاذ ماء وجهها، بتبريرات غير مقنعة، أن تقع في فخ المحسوبيات السياسية والتنفيعات، الذي لغّم اللوائح في شكل فاضح، ما تسبّب في تأخير المساعدة النقدية للمواطنين ذوي الحاجة الماسة إليها، فيما تدنّت قيمة البدل المالي منذ إقراره، بسبب ارتفاع سعر الدولار والحاجيات الضرورية. ولماذا كُلّف الجيش بتنفيذ مهمة إعطاء البدل المالي، وأوكلت اليه مهمة التدقيق مجدداً في اللوائح؟ ألا يُعدّ اقحام الجيش في عملية من نوع المساعدات المالية، دلالة على عدم الثقة بأجهزة الإغاثة الكثيرة والادارات والوزارات المعنية والفساد المعشّش فيها؟ وإذا كانت هذه كلّها لا تؤتمن على 400 ألف ليرة لتضعها في المكان الصحيح، فهل يجوز إبقاؤها من دون محاسبة أو حتى استمرارها في العمل والصرف عليها من دون طائل، بعدما تبيّنت مسؤوليتها طوال أعوام عن محاصصات وتوزيع مساعدات وإغاثة بحسب الانتماءات السياسية؟ كل ذلك يضع الحكومة أمام استحقاق تحسين صورتها في الداخل، لأن مهمتها الأساسية لا تكمن في تصنيع دواء أو لقاح، بل في تأمينِ مستلزمات الحياةِ اليومية للناس، من غذاء وماء ودواء وكهرباء وأموال مستحقة لهم من المصارف. وكلّ ذلك لا يزال معلّقاً في انتظار انتهاء أزمة الحجر الصحي.