يبدو أن الحكومة تسير وفق شعار «ما حدا بموت من الجوع» الذي سبقها إليه حيتان المصارف. على هذا المنوال، تتعامل مع قرار منح المساعدات المالية، على قلّتها، وكأنها ترف ستحظى به العائلات المجبرة على التزام منازلها، لا حاجة ماسّة لقسم كبير من اللبنانيين. فبعد شهر على إعلان التعبئة العامة، وشهر ونصف شهر تقريباً على إقفال الشركات والمؤسسات والمحال التجارية، لم تقدم الحكومة بعد على أي خطوة تبعد شبح الجوع عن آلاف العائلات. يحدث ذلك في وقت فقد فيه كثيرون من اللبنانيين أعمالهم ووظائفهم، وفقد من بقي يعمل منهم نصف قوته الشرائية، وحلقت الأسعار بنسب تصل الى أكثر من 40%، فيما تكفّلت المصارف بـ«تبخير» ودائع اللبنانيين. ثمة من مات فعلاً، من الجوع والبطالة والحسرة، وثمة من ينتظر المصير نفسه على قارعة الطريق في بلد لا يؤمّن أدنى مقومات الصمود للمواطن، لا بل يعمل على تحميله هو ــــ لا السارقين ــــ مسؤولية الإفلاس والفساد.

وفي سياق التجاهل التام للناس، يصبح «بديهياً» تعليق توزيع المساعدات المالية (75 مليار ليرة لـ 200 ألف عائلة بمعدل 400 ألف ليرة للعائلة) المتأخرة أصلاً بعدما أقرّتها الحكومة منذ 20 يوماً. حجة التأخير الإضافي اليوم، هي «أخطاء في اللوائح التي تتضمن أسماء غير مستحقة ومواطنين فارقوا الحياة وعمداء في الجيش وغيرهم»، بحسب مصادر وزارية، وهو عذر أقبح من ذنب. إذ لم توضح ما الذي حال دون التدقيق في هذه الأسماء منذ أسبوعين! علماً بأن المستفيدين 4 فئات كما صرح وزير الشؤون الاجتماعية رمزي مشرفية أمس: السائقون العموميون لا مالكو النمر الحمر، أهالي الطلاب المسجلين في المدارس الرسمية، عائلات مصابي الألغام وقاعدة بيانات العائلات الأكثر فقراً المعتمدة من وزارة الشؤون. وبحسب مشرفية، اعتمدت أيضاً بيانات أُرسلت من وزارتَي التربية والأشغال والنقل ومن الجيش ورئاسة الحكومة. ولكن عند إجراء الجيش مسحاً شبه كامل للداتا، تبيّن ورود أخطاء في كل اللوائح، ما أدى الى تعليق توزيع المساعدات.
والوقع أن للمشكلة هنا ثلاثة أبعاد. الأول يتعلّق بلجوء الحكومة الى قرار التعبئة العامة من دون خريطة طريق لمساعدة الفئات المحتاجة والمتضررة. والثاني يتعلّق بالوزراء الذين تعاقبوا على وزارة الشؤون الاجتماعية وحوّلوا برنامج الأسر الأكثر فقراً الى برنامج تنفيعات لأحزابهم. إذ لا يمكن تحميل الوزير الحالي مسؤولية الظلم اللاحق بعشرات المستحقين المبعدين لمصلحة من لا يستحق. إلا أنه يتحمل جزئياً مسؤولية عدم تكليف فريق للتدقيق في هذه الأسماء منذ تسلّمه الوزارة قبل شهرين، أو أقله منذ إعلان تقديم المساعدات المالية للمسجلين في وزارته منذ 20 يوماً. والسؤال الرئيسي هنا: لماذا كُلّف الجيش التدقيق في الداتا، رغم أنها وظيفة الوزارة؟ وهل حصل ذلك رفعاً للمسؤولية في حال تبيّن وجود أخطاء كما ظهر بالفعل؟

ما الذي حال دون قيام وزارة الشؤون بوظيفتها في تدقيق الأسماء منذ أسبوعين؟


أما البعد الثالث فيتعلق بإطلاق منصة إلكترونية أمس، الغرض منها «تعبئة استمارات لتقييم المواطنين الأكثر حاجة للمساعدة»، بحسب مشرفية. من دون أن يوضح جدوى هذه الاستمارات ما دامت الفئات المستفيدة محددة وتم جمع بياناتها، فيما لم تبد الحكومة أي نية بجولة ثانية من المساعدات. فحتى الساعة، لا تزال تلك التقديمات المالية لمرة واحدة، فضلاً عن أن حصر المساعدات بـ 200 ألف عائلة لن يغطي كل العائلات المحتاجة مع وصول نسبة الذين يرزحون تحت خط الفقر في لبنان الى 48%. والآتي، بحسب تقرير منظمة العمل الدولية، أفظع، نظراً إلى ما سيتسببه وباء كورونا في الأشهر المقبلة، ومنها «إلغاء 195 مليون وظيفة بدوام كامل، بينها 5 ملايين في الدول العربية». ويشير التقرير الى ضرورة تبني سياسات لمواجهة الأزمة، أولاً تحفيز الاقتصاد والتوظيف، وثانياً دعم الشركات والوظائف والدخل. فيما سيتعذر على الحكومة اللبنانية إذا ما كانت تعوّل على استيراد وصفة صندوق النقد تفادياً للمسّ بمكتسبات الأثرياء، اعتماد أيّ من هذه السياسات.