لا تزال المخيمات الفلسطينية بمنأى عن «كورونا»... حتى الآن على الأقل. «الصدفة» و«حسن الحظ» قد يكونان السبب في عدم تسجيل حالات إصابة بالفيروس، بعد، في أكثر التجمعات اكتظاظاً في لبنان. منظمة غوث اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم (أونروا) أعلنت، أمس، أن الفحوص المخبرية التي أجريت لثلاث حالات فلسطينية (من المية والمية وعين الحلوة ومنطقة الغازية) أظهرت خلوّها من «كورونا»، مؤكدة أن لا إصابات بالفيروس بين اللاجئين الفلسطينيين. مع ذلك، ينتظر الفلسطينيون بدء تنفيذ خطة الطوارئ لمواجهة الوباء وإجراءات الوقاية والحماية من الوكالة بالتنسيق مع الهلال الأحمر والدفاع المدني الفلسطينيين.

يمنّي البعض في عين الحلوة النفس بأن الجدار الإسمنتي الذي شيّده الجيش اللبناني حول المخيم، قبل سنتين، كفيل بعرقلة وصول الفيروس إلى أكثر من ثمانين ألفاً يسكنون فوق كيلومتر مربع واحد تقريباً! يأتي ذلك، بالطبع، في سياق السخرية السوداء. فـ«عاصمة الشتات» تشكل جزءاً من صيدا. وسكانها يضخّون في المدينة حركة اجتماعية واقتصادية ودراسية وصحية، ويتنقل الآلاف من اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين يومياً من المخيم واليه.
سقطت المخيمات الفلسطينية من خطة الطوارئ الذي أعلنتها وزارة الصحة لمواجهة «كورونا»، باعتبار أن مسؤولية الوقاية والعلاج في حال ظهور إصابات، تقع على عاتق «أونروا» التي تتكفل بشؤون اللاجئين واستشفائهم ضمناً. الوكالة التزمت بقرار وزارة التربية، فأقفلت المدارس التابعة لها في كل المخيمات والتجمّعات، وشرعت في تنظيم ندوات للتوعية، وعمّمت رسائل على تطبيق «واتساب» ووسائل التواصل الاجتماعي.
بعض الفلسطينيين لم يكتفِ بالإرشاد النظري. الجمعة الفائت، انطلقت حملة وقاية بمبادرات أهلية ومدنية وبالتعاون مع تجمعات الفلسطينيين في الشتات، لا سيما الأطباء. وهي تهدف في مرحلتها الأولى إلى نشر ملصقات ومنشورات ومواد إرشادية في المرافق العامة والمراكز الصحية والمنشآت والمدارس ورياض الأطفال في المخيمات وتقديم الإرشادات اللازمة لتجنب الإصابة. وفي المرحلة الثانية، ستعمل الحملة على توفير مواد النظافة والتعقيم وتقديمها لاستعمال الطلاب في المدارس والمرافق العامة، فيما بادر الدفاع المدني الفلسطيني إلى تعقيم التجمعات العامة والمدارس والمقاهي في المخيمات كافة.

اي إصابة في أي من المخيمات كفيلة بنقل العدوى الى المئات بسبب الاكتظاظ


القيادي في الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين في عين الحلوة، فؤاد عثمان، أشار إلى أن مواد التعقيم التي ترش «لا تغطي كامل مساحة المخيمات، لا سيما عين الحلوة، بسبب ضيق الإمكانات».
عدم ثبوت إصابة أي لاجئ بـ«كورونا»، حتى الآن، لم يبدّد مخاوف أهالي المخيمات. فمعظم هؤلاء غير قادرين على شراء مواد التعقيم الطبية، ولا يملكون القدرة على الانتقال للعيش ولو مؤقتاً خارج المخيم، لارتفاع كلفة المعيشة من جهة، ولأن الخارج بات بؤرة موبوءة من جهة أخرى. أما في حال تسجيل أي إصابة، فيجزم عثمان بأن «العدوى ستنتقل من شخص واحد إلى الآلاف بسبب الكثافة السكانية و الاكتظاظ وعدم قدرة معظم أهالي المخيمات على تلقّي العلاج على نفقتهم الخاصة».
واللافت أن خطط المواجهة الحكومية لم تشمل حتى الآن تجهيز المستشفيات داخل المخيمات في ظل الشكوى من عدم قدرة مستشفى بيروت الحكومي على استيعاب المصابين، فيما مستشفيات الأقصى والنداء والقدس والهمشري في عين الحلوة ومحيطه لا تشتمل على غرف عزل. ويعتمد سكان المخيم أساساً على مستشفى صيدا الحكومي الذي يعاني من تعثر تشغيلي ونقص في المستلزمات الطبية، حتى من قبل بدء الأزمة الاقتصادية وانتشار الفيروس. كذلك تعاني المستشفيات التابعة للهلال الأحمر الفلسطيني في المخيمات (بلسم في الرشيدية والناصرة في بر الياس وصفد في البداوي وحيفا في برج البراجنة، فضلاً عن الهمشري في صيدا) من نقص شديد في مختلف التجهيزات.
الخوف يكبر أكثر في مخيمات صور حيث يختلط سكانها بالبيئة الجنوبية التي سجلت أكثر من حالة إصابة. الناشطة في تجمع المعشوق في مخيم البرج الشمالي نزهة الروبي أعربت، أيضاً، عن الخشية الشديدة من أن أي إصابة كفيلة بنقل العدوى الى المئات. وسألت، بعجز: «ما العمل ما دامت المؤسسات الفلسطينية غير قادرة على توفير وسائل الوقاية والتعقيم لكل فرد غير قادر على شرائها بنفسه؟».



... والنازحون السوريون يحبسون أنفاسهم
حتى الآن، ورغم الظروف القاسية معيشياً واقتصادياً وبيئياً التي يعانيها النازحون السوريون في مخيماتهم وتجمعاتهم، لم يطل فيروس «كورونا» أياً منهم وفق تأكيد المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في بيان أمس، فيما المصاب السوري الوحيد في لبنان، والذي نقل قبل أيام الى مستشفى رفيق الحريري في بيروت، لم يكن يقيم في أي من تجمعات النازحين المنتشرة في المناطق. بيان المفوضية أوضح أنه «لم يتم الإبلاغ عن أي إصابة في أوساط اللاجئين في لبنان أو في أي بلد آخر». ولفت إلى أن المفوضية تتخذ إجراءات للحماية بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية واليونيسيف ووزارتي الصحة والتربية، وتتركز على «ضمان احتواء انتشار الفيروس ونشر المعلومات الصحيحة وإعلام اللاجئين بآخر المستجدات وتوعيتهم». وتعهدت المفوضية بـ«توزيع مجموعات إضافية من منتجات النظافة الصحية وتكثيف التدابير الوقائية لحماية اللاجئين في المخيمات العشوائية والمباني الجماعية المشتركة».