لم يكد ينفضّ اجتماع وفد جمعية المصارف مع المدعي العام التمييزي غسان عويدات ليلاً استنكاراً لقرار النائب العام المالي علي إبراهيم الذي قرر منع التصرف بأصول عشرين مصرفاً ورؤساء مجالس إدارتها حتى كان قد اتُّفق على صيغة تسوية تقضي بالتراجع عن القرار. التخريجة كانت الإعلان عن تجميد القرار باعتباره «قراراً إدارياً موقتاً يمكن الرجوع عنه في حال أصبحت المصلحة الوطنية مهددة». القاضي عويدات نسب إلى «مصادر موثوقة» معلومات تتحدّث عن أنّ «السلطات المالية الدولية تنوي وباشرت في إيقاف التعامل مع المصارف والهيئات المالية اللبنانية وفرضت ضمانات للعمل معها». واستند إلى «المصادر الموثوقة» ليعتبر أن الاستمرار في تطبيق قرار القاضي إبراهيم «من شأنه إدخال البلاد وقطاعاته النقدية والمالية والاقتصادية في الفوضى، ومن شأنه إرباك الجهات المعنية بدراسة سبل الحلول والسيناريوات المالية التي هي قيد الإعداد لمواجهة الأزمة التي تمر بها البلاد». وخلُص القاضي عويدات، «بغض النظر عن صوابية القرار» إلى «تجميد القرار المتخذ ومفاعيله، عملاً بأحكام المادة ١٣ و٢١ من أصول المحاكمات الجزائية، لحين درس تأثيره على النقد والمعاملات المصرفية وعلى أموال المودعين والأمن الاقتصادي والمالي».

هكذا تراجع القضاء أمام تهديد أصحاب المصارف الذين لحِقَ بهم شركاؤهم من أهل السياسة للتنديد بقرار الحجز على أصولهم، رغم احتجازهم مدخرات مئات آلاف المودعين.
قرار النائب العام المالي علي إبراهيم الذي عمّمه على أمانتَي السجلّ العقاري والتجاري وهيئة إدارة السير وحاكمية مصرف لبنان والأسواق المالية وجمعية المصارف، طالباً وضع إشارة «منع تصرف» على أصول عشرين من أكبر المصارف اللبنانية ورؤساء مجالس إدارتها، كان خطوة غير مسبوقة. بدأت مع القرار تأويلات خلفياته، وهو الذي صدر بعد استماع إبراهيم إلى رؤساء مجالس إدارة عدد من المصارف الأسبوع الماضي.
قبل ذلك، ألحق القاضي إبراهيم القرار بتصريح للوكالة الوطنية يبدي فيه استغرابه «الضجة المضخّمة» حول القرار الذي صدر عنه. وأشار الى أنّ «القرار ملفّ كغيره من الملفات القضائية التي نتابعها، فمنع التصرف بالأصول يعني بكل بساطة أنه ممنوع التصرف بالأسهم والعقارات والسيارات والممتلكات والمباني». وعن مدى قدرة هذه الخطوة على حماية أموال المودعين، أكد إبراهيم أنها «لا تحمي فقط المودعين، إنما تحدث أيضاً هزّة كبيرة للمصارف، إذ بذلك نقول لهم: لا يعتقدنّ أحد منكم بأنكم فوق الغربال». ونُقل عن إبراهيم قوله إنه تحرّك بناءً على إخبارات عبر مواقع التواصل الاجتماعي وادعاءات شخصية لمودعين متضررين من احتجاز مدخراتهم. وعليه، قرر أن المشتكى منهم «ممنوعون من التصرف بموجوداتهم من عقارات وسيارات وشركات، على اعتبار أنها باتت محجوزة لمصلحة الدولة اللبنانية».

قبل تجميد القرار، قال مرجع قضائي إن «الخطوة تمهيدية ستتبعها خطوات لاحقة»


وقبل تجميد القرار، قال مرجع قضائي لـ«الأخبار» إن «الخطوة تمهيدية ستتبعها خطوات لاحقة تُتّخذ بناءً على استجابة المصارف وتغيير تعاملها مع صغار المودعين»، على خلفية القيود التي تتخذها على العمليات النقدية، وتحديداً سحب الدولار.
غير أن القرار الذي اتُّخذ من قبل النيابة العامة المالية شابهُ خطأ. فقد قرر النائب العام المالي الحجز على أصول المصارف، بما فيها أموال المودعين. وهنا يرى قانونيون أن هذا الإجراء يعني تأميم المصارف لمصلحة الدولة اللبنانية والحجز على كامل محتوياتها، بما فيها أموال المودعين. إزاء ذلك، انقسم أهل القانون حيال القرار. أحد القضاة اعتبر أن خطأً جسيماً يشوب القرار على اعتبار أنّه يجب أن يكون مسنداً إلى نصوص قانونية، إلا أنّ القرار المنشور غير معلّل. واستغرب المصدر هكذا قرار يمسّ بحق الملكية الذي يكرسه الدستور، لكنه لا يُبيّن المواد التي استند إليها كي يتمكن من جرى المساس بأملاكه معرفة السند للمراجعة بخصوصه ومناقشته. ورأى أن القاضي إبراهيم لا يمكنه اتخاذ هكذا قرار وأنه ملزم بالتعليل. واستنكر المصدر القضائي إصدار القرار ونشره، ثم لجوء القاضي نفسه إلى التوضيح في الإعلام، معتبراً أن الأجدر به أن يُضمن التوضيح في تعليله. واستغرب المصدر القضائي عدم إشارة صاحب القرار إلى النص القانوني الذي يُجيز له اتخاذ تدابير احتياطية على الأموال.