في 12 كانون الأول من العام الماضي، خرج محافظ عكار عماد لبكي من مكتبه «بلا رجعة» كما أعلنت صفحة خيمة حلبا على صفحتها على الفايسبوك. وُثّق الأمر بفيديو مباشر على أنغام «حرامي حرامي هالمحافظ حرامي»، مع عرض صور لتراخيص نقل أسلحة صيد تحمل توقيع لبكي على بياض. خلال شهر ونصف شهر، لم تطأ قدما المحافظ مكتبه، وتابع «الثوار» جولاتهم على الإدارات العامة من المالية إلى العقارية إلى شركة الكهرباء إلى مكاتب المخاتير فأوجيرو حيث اقتحموها جميعها لفرض مطالبهم أو إقفال بعض منها. وفي فترة وجيزة، صار المنتفضون في عكار ملجأ المواطنين الذين يعانون من بطش المصارف ليُحصّلوا لهم أموالهم منها، ومن الحرمان بشكل عام، فيغزون المؤسسات طمعاً في واقع أفضل. بدا أن «الثورة» في الشمال هي النموذج الذي يجب أن يحتذى في باقي المناطق. لكن، يوم الاثنين الماضي، أصدر محافظ عكار بياناً أعلن فيه عودته إلى مكتبه «بالتنسيق مع الثوار مؤكداً على أهمية العمل معاً يداً واحدة لتحقيق النهضة المرجوّة... وكل المطالب التي رفعها الثوار». وأبدى لبكي استعداده لفتح كل الملفات من دون استثناء لمحاسبة الفاسدين. هكذا، عبّد المحافظ طريق عودته إلى المحافظة، وكانت له زيارة من شباب خيمة «حلبا والعبدة وتكريت ورحبة والمحمرة» يوم أمس.

احتفاء «الثوار» بالمحافظ كان مبالغاً به نوعاً ما عبر وصفه بـ«رئيس جمهورية عكار لمكافحة الفساد». فمنذ شهر ونصف شهر، خرج من المكتب نفسه طرداً وبحماية القوى الأمنية. قبيلها، طلب منه بعض الشباب ملفات تخص بلدية حلبا المنحلّة تتعلق بقطع حسابات مالية وُضعت في عهدته منذ عام، فقابل الطلبات بفوقية ولامبالاة على ما يقولون. ما حصل فعلياً، أن طرده أثار بلبلة ولا سيما بعد طلبه نقل مركز المحافظة، وسط محاولات من المرجعيات السياسية والدينية وفعّاليات المنطقة لإعادته بالقوة وبحماية أمنية. تزامن ذلك مع «شكاوى بلديات عدة ضد سلوك مستشاري المحافظ الذين استغلوا غيابه للقيام بعمليات سمسرة». إلا أن «إصرار المحافظ على العودة وفق شروطنا وتعهده بمكافحة الفساد كما نريد، معطوفة على تحويله 7 بلديات ضمن نطاق عمله إلى النيابة العامة المالية، دفعنا إلى وضعه تحت الاختبار لمدة معينة»، يقول الناشط غيث حمود. وسيبدأ العمل، وفق حمود، مباشرة على ملف كبير يتعلق بمشروع لمعالجة الصرف الصحي في عكار بقيمة 300 مليون دولار تنفذه شركة هومن. هو الملف الأول الذي سيختبر فيه المنتفضون محافظهم، ليبنوا على الشيء مقتضاه. فعودته لمزاولة العمل اليوم هي «على القطعة وبحسب مدى التعاون ومدى جدية مكافحة الفساد. كثر غيرنا في البلدات العكارية يعدون ملفات لبلدياتهم ويسعون لمحاسبة الفاسدين. فإن ثبت لنا أن المحافظ إلى جانبنا سنستمر بحمايته من كل الضغوط السياسية لوضع العمل الإنمائي في عكار على السكة الصحيحة». وقد أعلن «الثوار» عن تشكيل لجنة لمتابعة الملفات بالتفصيل مع لبكي.

أعلن «الثوار» عن تشكيل لجنة لمتابعة ملفات البلديات والفساد مع لبكي


في الفيديو الذي نشرته خيمة اعتصام حلبا أمس، بدا لبكي راضخاً لطلبات الشبان وإيجابياً. رغم سعيه في بعض الأوقات إلى «تحجيم» منصبه، عبر الطلب من الشبان أنفسهم الحصول على مستندات معينة، رغم أنه الوصي على كل البلديات ومن واجبه كمحافظ أن يحرص على حسن سير عملها وعلى مراقبة أدائها. كذلك يحيل سائليه إلى لجنة تحقيق تشكلها وزارة الداخلية ربما هرباً من المسؤولية المترتبة عليه؛ علماً أن المتعاقبين على الداخلية سبق لهم المماطلة في ملفات عدّة، فيما ساهمت التدخلات في القضاء بتأجيل عشرات ملفات الفساد نحو ثلاثين سنة، وبعضها لم يصدر فيها قرار حتى اليوم. من جهته، يوضح الناشط أحمد البستاني لـ «الأخبار» أن المحافظ «رجع بإرادة الثوار بعد أن أيقن أننا السلطة الفعلية وقدم أوراق اعتماده لنا. لذلك أعدنا تعيينه كمحافظ مع وقف التنفيذ إلى حين اتضاح مدى إيجابيته وانخراطه في إصلاح الأوضاع». وبحسب البستاني، وعد لبكي بإحداث فارق في طريقة العمل منذ الشهر الأول وبأنه لن يدير أذنيه إلى التدخلات السياسية بعد الآن رافعاً الغطاء عن مستشاريه. بناءً عليه، «قررنا منحه فرصة ثانية ونحن جهاز الرقابة عليه».
الهدنة التي منّ بها شباب عكار على المحافظ لا تعني تسليمهم بأدائه. «ما في ثقة»، يقول أحمد رستم، «لكننا وضعناه تحت المجهر وعلينا القيام بدورنا لمتابعة كل التفاصيل الإدارية معه. إيجابيتنا أتت بعد رفضه العودة بضغط سياسي وديني بل بالتنسيق معنا». لن يهدأ أحد في خيم الانتفاضة العكارية، على ما يُجمع الشبان، قبل تحقيق نتائج عملية على الأرض، وملفات الفساد كثيرة ومتشعّبة ويعاني منها الجميع. «هي فترة اختبار»، يقولون، «سيتبيّن في نهايتها الخيط الأبيض من الخيط الأسود... ولن تكون طويلة».