نجح التحالف البيئي المدني في طرح ورقة موحدة حول سلسلة مطالب بيئية وطنية، وبدأ بنقاشها مع مجموعات في الحراك في الساحات والخيم. النجاح، هنا، يعني توحيد جهود أكثرية المناضلين البيئيين، من دون أن يعني النجاح في جعل القضايا البيئية جزءاً لا يتجزأ من قضايا الحراك، أو الثورة كما يحب أن يسميها البعض. كما أنه لا يعني دمج البيئي مع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في جدول أعمال واحد.

كان يمكن للاستفادة أن تكون متبادلة اكثر لو نجح البيئيون، تاريخياً، في الانتقال من عمل الجمعيات المناطقية وتلك المتخصصة (الشبيهة بعمل القطاع الخاص) الى رحاب الوطنية العامة، والانضواء في أحزاب جديدة لديها خلفيات فكرية وبرامج شاملة وعابرة للمناطق والطوائف والاختصاصات.
قد تكون هناك فرصة الآن لتقديم برنامج ثوري يدمج بين البيئي والسياسي والاقتصادي، اذا سمحت الظروف. وتستطيع البيئة من ضمن طبيعتها الشمولية وضرورتها الحياتية أن تضمن برنامجاً وطنياً للحراك يأخذ في الاعتبار دمج كل القضايا المتداخلة بطبيعتها في الأصل. فقضايا مثل مكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة وإعادة النظر في النظام الانتخابي الذي يسمح بإنتاج سلطة جديدة… هي قضايا مشتركة عند كل من يهتم بالشأن العام، يمكن أن يضيف البيئيون اليها قضايا أكثر شمولية وحياتية ومصيرية، تغذي وتغير برنامج الثورة تغييراً جذريا في الاستراتيجيات والسياسات في القطاعات كافة، مما يوفر على لبنان المزيد من الهدر في الموارد والصحة العامة والمال العام.
في طليعة المطالب الاضافية، عدم شمول ما يسمى «العفو العام» الجرائم المصنفة بيئية، لا بل فرض برنامج عمل على أي وزير جديد للبيئة يتضمن مقاضاة كل المخالفين والمرتكبين والملوثين والمشوهين (مع التغريم والاصلاح والترميم) واعادة الاموال المنهوبة والمهربة الى الخزينة، والادعاء على الوزراء المتعاقبين والمدير العام والموظفين المسؤولين والمتخلفين عن تطبيق القوانين المرعية الاجراء.
أما في القطاعات المتداخلة، فمجرد تغيير سياسات النقل واعتماد استراتيجيات تعتمد على تشجيع النقل العام ومنحه الأولوية في التخطيط والدعم على النقل الخاص، فسيعني توفيراً كبيراً في مداخيل ومصاريف الأسر، كما يعني توفيرا في الزحمة والاقتصاد وتخفيفاً من تلوث الهواء والفاتورة الصحية.
والأمر نفسه ينطبق على قطاع المياه. إذ أن تبني استراتيجيات وسياسات ثورية تقوم على اعادة الاعتبار للثروة المائية كملكية عامة والتركيز على حماية مصادرها وحسن ادارتها وعدالة التوزيع ووقف الهدر والنهب والخصخصة واعتماد استراتيجيات ترشيد الاستهلاك في القطاعات كافة، يمكن أن يوفر معظم القروض والمشاريع المشبوهة لإنشاء سدود سطحية ومزيد من الديون والارتهان، بل وتأمين المزيد من المداخيل للخزينة الخاوية، لا سيما مع ضبط تصدير مياه الشرب المعبأة… ما يغنينا عن ديون «سيدر» في هذا المجال. علماً أن الاستدانة لانشاء سدود وإنشاء محطات لمعالجة مياه الصرف تعني زيادة فاتورة المياه لاسترداد كلفة الاستثمار في السدود بما لا يحتمله المكلف اللبناني، وزيادة حجم مياه الصرف التي تحتاج دولارا لكل متر مكعب لمعالجتها، ما يعني زيادة في فاتورة المياه بأكثر من الضعف ايضا (لأن كلفة معالجة مياه الصرف تضاف الى فاتورة المياه)!
كذلك الأمر بالنسبة الى قطاع المقالع والكسارات وشركات الاسمنت، والذي يمكن عبر تنظيمه أن يحمي البيئة ويؤمن مداخيل مهمة للخزينة بما يفوق اي عائد من اي قطاع، بما في ذلك تحصيل الرسوم الحقيقية من المخالفين والمعتدين على الاملاك العامة البحرية والنهرية وعلى قمم الجبال وبعض الوديان والمشاعات وأملاك الدولة.
وينطبق ذلك أيضاً على ملف النفايات الذي يحتاج إلى استراتيجية مختلفة تخرجه من أيدي المقاولين والحلقة المقفلة بين مجلس الإنماء والاعمار ووزارة لم تعرف يوماً كيف تكون بيئية. هذا الملف لا تحتاج إدارته إلى الاستدانة ولا لردم البحر والاستثمار فيه، بل لتطبيق قواعد التخفيف والفرز الموفرة في المال والموارد والثلوث البيئي. كما أنها لا تحتاج الى مليون دولار لوزارة البيئة من الخزينة للتوعية على الفرز في وقت تحتاج الوزارة نفسها إلى ثورة لتوعيتها على مهامها. كما لا تحتاج لمليون يورو من الاتحاد الأوروبي لجمعيات هدرت معنى البيئة قبل وأثناء هدرها للهبات.
أما قطاع الطاقة فيحتاج الى استراتيجية مختلفة تماما (عن خطط الكهرباء) تقوم على مراجعة حقيقية لكل الإمكانات الطبيعية النظيفة والمتجددة اولا، مع خطط للترشيد والتوفير في الاستهلاك ووقف السرقة والهدر وتوفير المليارات على الخزينة سنويا. ولا بأس بعدها من تأجيل عمليات التنقيب عن النفط والغاز في ظل ظروف بالغة الحرج وفي ظل غياب الدولة الحقيقية، او سيطرة المافيات التي استسهلت إبرام اتفاقيات وتشريعات تصب كلها في مصلحة الشركات الكبرى الملتزمة ولن تترك الا الفتات والتلوث للشعب اللبناني.
من هنا تبدو مهمة التحالف البيئي حساسة جداً اذا أراد أن يذهب بعيدا في طروحاته المحافظة، في ظل حديث عن «إفلاس» و«انهيار شامل»، واعتبار الثروة النفطية بمثابة المنقذ! ولعل في ذلك معياراً اساسياً للنجاح او الفشل، إن بالنسبة الى التحالف او بالنسبة الى الحراك عموماً.
الى ذلك، فإن المهمة الثورية الأهم التي لم يتم التطرق اليها بعد، هي في كيفية محاربة الفساد العلمي، إن على مستوى بعض خبراء الاقتصاد اولاً، او وبعض خبراء البيئة ثانياً، ممن تعلموا وتوظفوا منذ فترة طويلة في معاهد وشركات لا تبغي غير الاستثمارات والربح على حساب اي شيء. وقد تسببت استشاراتهم، تاريخياً، بما وصلنا اليه من افلاس من جهة، ومن تدمير لا عودة عنه في الطبيعة والموارد من جهة اخرى. فهل ستتم الاستعانة بهم انفسهم الان للخروج من الازمة، مع العلم أن قسما منهم قد يكون خلف الساحات او على الشاشات او على لوائح المستوزرين؟!