لمّاح ذاك الغاضب الذي خطّها على جدار جسر «الرينغ» في الأيّام الأولى: «وكيف تكون الثورة نظيفة وهي التي تخرج مِن أحشاء الحاضر متّسخة به». ذيّلها باسم قائلها: مهدي عامل. هنا، وأكثر مِن أيّ مكان آخر، ليس مُهماً القائل بقدر أهميّة القول. إنّها البداهة. المنطق. أيّ طوباويّة خرافيّة يُمكن أن نتحصّل عليها حتى نطلب مِن أشخاص خرجوا، بداية، طلباً للعدالة الاجتماعيّة، في كلّ المحافظات، مِن كلّ المذاهب، ثم نتوقّع منهم وحدة في الخطاب واستقامة وملائكيّة! هذا لبنان، أَلَا نعرفه؟ على مدى الأسبوع الماضي، تجاوب المتظاهرون مع مطلب عدم إقفال الطرقات، والتزموا الساحات، وراحوا يقصدون مرافق الفساد وأوكار أصحابها. قصدوا المصارف. تظاهر طلّاب الجامعات. كان كل شيء «على ما يرام» لمَن يُحبّون «ما يُرام». كيف تفاعلت السُّلطة، أو السُّلطة السابقة، أو لنقل السُّلطة الدائمة العميقة؟ لا شيء. لم تفعل شيئاً. على العكس تماماً، قدّمت، بقلّة ذكاء، ما يُشعل الشارع مجدّداً. إنّها السُّلطة التي تتآمر على نفسها؟ يُحكى عن مؤامرة؟ ومتى خلت بقعة في الأرض مِن مؤامرة؟ هذه مسألة إنسانيّة محض. التآمر جزء من علاقات البشر اليوميّة. هذا تمظهر لوعي جنسنا (لا نعلم إن كان أيضاً لدى إنسان نياندرتال). قل لي ماذا أنت فاعل لمواجهة المؤامرة؟ هذا هو السؤال. لم تستطع السُّلطة أن تجتمع على خطاب واحد، لم تجتمع أصلاً على شيء، خلال الأسبوع الماضي، ولو كمحاولة حتّى، ثم نقول للناس «الذين وُلدوا أمس» اجتمعوا الآن! أحزاب عتيدة، قويّة، مهيكلة منظّمة جميلة، وبينها تواصل وصلات حكم على مدى عقود مِن الزمن، تظهر أمام الناس أنّها غير قادرة على التنسيق بينها، ولو شكلاً، ثم يُطلب مِن الشارع أن يفعل ذلك! الناس هم مِن رحم هذه السُّلطة، بأحزابها، هم مِن وعيها وتجربتها وتثقيفها ودعاياتها، جلّ ما في الأمر أنّ القلق على المصير أضناهم، أرعبهم، فخرج مِنهم مَن قال: كفى. لم يخرجوا كلّهم؟ حتماً. ومتى كانت الانتفاضات التي تُغيّر المشهد تُشكّل أكثريّة؟ قرأنا تاريخ الثورات والانتفاضات، وحتّى الهبّات، قديماً وحديثاً، وفهمنا كيف تجري الأمور. الأكثريات لم تكن شرطاً على الدوام. مبدأ «الشرعيّة الثوريّة» لم يولد أصلاً في تنظيرات القوانين الدستوريّة إلا لتفسير هذا المعنى. لسنا في هذه المرحلة، حتماً، وليس الحديث هنا عن ثورة وشرعيّة وما شاكل مِن سياقات بعيدة عن واقعنا، لكن الشيء بالشيء يُقال.

في لبنان شوارع، لا يُحكى عن شارع واحد، وإن ظهرت خلال الشهر الماضي إشارات صغيرة لمزاج ما يُمكن البناء عليه. هذا واقعنا. نحن، كلّنا، أبناء هذا النظام الطائفي المتجذّر. إشارات بدت طفوليّة، حالمة، إنّما لا بأس، بدل أن نقول لقائلها، ولو تمثيلاً، أحسنت يا هذا، راح بعض خطاب السُّلطة يسخر منه. حسناً، ما الذي يُريده هؤلاء؟ هناك مَن يُريد أن يركب موجة انتفاضة الناس، وهذا طبيعي وبديهي، مِن الداخل والخارج، وهذا في السياسة العميقة «حقّ مشروع». لا تتوقّع مِن خصمك أو عدوّك عندما يراك في ورطة أن يُعفيك. أبداً. هذه فرصته. لكن السؤال: ماذا أنت فاعل؟ هل تأخذ بيد الناس، تساعدهم، تبني عليهم بل حتى تستثمر بهم... أم تأتي وتعاديهم؟ أتتركهم في وجه الريح؟ أتتركهم عُرضة لكلاب العالم تنهش في لحمهم؟ أتضربهم! ثم تدفعهم دفعاً إلى ما كانوا، حتّى الأمس، يتمنون لو يتجرّعون العلقم موتاً ولا يفعلونه! نحن في أزمة ذكاء؟ هذا مخيف. أسوأ مِن أي سيناريو آخر أن يثبت هذا في وعي الناس. بين الناس في الشارع توجد كلّ الأصناف. هناك مَن كان، في البداية، وحتى إلى اليوم، مَن يجلس في بيته وقلبه في الشارع. أبناء الشارع يعرفون ذلك. عندما كان يخرج من يتكلم، خلال السنوات الماضية، عن ضرورة عدم تجاهل الواقع الاجتماعي - المعيشي، كان يخرج مَن يشيطن صاحب هذا الخطاب. كان الردّ يأتي بخطاب «الأوليّات». الأرشيف موجود. ذاكرتنا موجودة. كان الناصحون هم أصحاب الحرص على الجميع. الآن ساعة الحصاد.
يُطلب مِن الناس أن يكون هناك مَن يتحدّث باسمهم. أن يتوحّد خطابهم. وبعيداً عن حكاية أن الشارع لا يُريد قيادة له حتى لا يفشل، كلّها فرضيّات، ولكن فرضاً أراد الناس ذلك هل بإمكانهم أصلاً؟ في أي دولة في العالم، منسجمة ديموغرافيّاً، منسجمة في كلّ شيء، يصعب أن يحصل هذا في مدّة شهر، فما بالك في لبنان. لا أيديولوجيا واحدة للذين نزلوا إلى الشارع. لا هويّة واحدة في زمن الهويّات الآخذة في التقزّم شيئاً فشيئاً. مَن يغب عن باله مزاج الكائن في عالمنا الحديث، فعليه اليوم أن يُصدَم. في لبنان مستحيل أن تحصل وحدة خطاب للشارع الآن. ربّما كان يُمكن أن يحصل شيء منه، لو أن السُّلطة، بكلّ مفاصلها، كانت لم تُجرّف نقابات هذا الشعب.

ربّما كان المشهد ليكون أقل تأزّماً لو أن السُّلطة الدائمة لم تُجرّف نقابات هذا الشعب

مَن الذي مسخ الاتحاد العمالي العام؟ مَن الذي سيّس، بالمعنى الضيق القذر، كلّ النقابات؟ في تونس كان الأمر مختلفاً لأن النقابات لم تُغتصب كثيراً كما في لبنان. المحامون والأطباء والمهندسون، وسواهم، أين نقاباتهم مما يجري؟ ألم يكن لافتاً غياب هؤلاء ككتل عن مشهد الساحات. هل نسينا كيف هذا الزعيم «يفوّر» هذه النقابة، أو الاتحاد، ضدّ زعيم آخر في قضايا صغيرة في التناهش الداخلي؟ أين القضاة؟ ألا نعرف كيف جرت كلّ التشكيلات، وآخرها كانت في عهد السُّلطة المستقيلة، التي قيل إنّها كانت الأسوأ على الإطلاق؟ السُّلطة نهشت مفاصل القضاء. كلّ قاضٍ يتبع لهذا الزعيم أو ذاك، وما بينها قضاة، على قلتهم، يستقلون عن كلّ شيء... بما في ذلك الوعي. جرى تجريف هذا الشعب، ثم نأتي ونقول لمن في الشوارع، على تناقضاتهم، الغرباء حتى عن أنفسهم، فليخرج من يتحدّث باسمكم! لم يبقَ حزب - طائفة إلا وأنشأت جامعتها الخاصة، وأحياناً أكثر مِن جامعة واحدة، فأصبحت كلّها بمثابة مقارّ حزبيّة. وعندما يُقرّر المواطن «العادي» أن لا ينخرط فيها، فيذهب إلى الجامعة اللبنانية - الوطنيّة، يجدها مسروقة منه أيضاً مِن تلك الجهات نفسها مُحاصَصة. حتّى المشترك العام لم يُترك للمواطن الذي ودّ أن يفرّ بنفسه.
أخيراً، كلّ التفاصيل السابقة أصبحت خلفنا. مِن الماضي، وإن اتصل بالحاضر، وحرّكه ويُحرّكه. لقد انهار البيت. الإنكار سمة تعلمنا أن نراها في كلّ تجارب التاريخ. ترقيع، ثم إن هي إلا مسألة وقت وينطلق كلّ شيء من حيث انتهى. أليس هذا هو الوقت المناسب لمؤتمر تأسيسي، لدستور جديد، لعقد اجتماعي جديد، حتّى ولو احتاج الأمر إلى استفتاء؟ نظامنا عقيم. فليأتِ الجميع ويشرح هواجسه، ولتأخذ المسألة ما تأخذه مِن وقت، وليكن وجع ساعة ولا كلّ ساعة. في الأزمات الكبرى تولد الأسئلة الكبرى. الشارع اليوم يقول، بوعي أو بسلوكٍ لاواعٍ، خذي يا سُلطة، أنا ابنك الشرعي، أنا نتاجك، أنا فخر صناعتك، ولكن ها أنا أنفجر بك... وبنفسي.