تجاوزت الثورة شهرها الأول ولا يزال الأفق السياسي مغلقاً. فالسلطة مأزومة إضافة إلى مكابرتها وسعيها إلى إعادة توليد نفسها مع بعض التعديلات التجميلية، ومكوّناتها تسعى إلى إجهاض الثورة، أو تجييرها لصالحها، أو التسلّق على مواجع الناس فيها، أو استغلال دماء الشهداء.

ولأن الأفق السياسي يشي بمواجهة طويلة، ينبغي مقاربة الاستحقاقات المعيشية المقبلة من زاوية أن الثورة ستستمر لحيّزٍ من الزمن. بناءً عليه، ولأن البلد في حالة أزمة سيولة نقدية، فإن ممارسة سلوك الهلع الاقتصادي ستخنق الشعب لا السلطة الفاسدة، وبالتالي ستستحق دفعات أقساط المدارس، وسندات الدين المصرفية أو العائدة لمصالح تجارية صغيرة، ورواتب الموظفين في مؤسسات القطاع الخاص، لا سيما الصغيرة والمتوسطة منها، وديون الدكاكين والمحالّ التجارية الصغيرة.
ولأن استمرار التدفقات النقدية التقليدية (رواتب، أقساط، ديون وأجور عمال) يشكل أهمية كبرى في تمكين اللبنانيين في الصمود، نقترح الآتي:
- في ما خص أقساط المدارس: الظروف القاسية على الأهالي لا يجب أن تفرض عليهم الامتناع الكلي عن دفع الأقساط، لكون هذا الأمر سيؤدي إلى حجب الرواتب عن المعلمين، وبالتالي يقتضي على الأهالي محاورة إدارات المدارس عبر لجان الأهل، ليصار إلى التوافق على سداد جزء من دفعات الأقساط المستحقة، شرط ضمان قيام المدارس بسداد رواتب المعلمين أو 75 في المئة منها بالحدّ الأدنى.
- بالنسبة إلى ديون المؤسسات الصغيرة والدكاكين (أي الأقساط الشهرية التقليدية على المواطن) لا يجب الامتناع عن سداد هذه الديون، لكونها تكسر دائرة التدفقات النقدية في السوق المحلية، فتشكل موجة تراكمية من فقدان السيولة، ما يؤدي إلى تشديد الخناق على المواطن الثائر على الفساد.
- في ما خص الرواتب: يقتضي إجراء حوار شفّاف بين أصحاب المؤسسات الاقتصادية الخاصة والعاملين والمستخدمين لديهم، ومصارحتهم بصدق بشأن تراجع القدرة المالية للمؤسسة، ووضع خيارات عدة أمامهم مثل صرف الإجازات السنوية الآن، أو إعطاء إجازات غير مدفوعة لفترة زمنية قصيرة بشكل يحفظ للمستخدم عمله، أو إجراء خفض لا يتجاوز 25 في المئة من الراتب لفترة زمنية قصيرة، أو غيرها من الخيارات التي، على إيلامها، تُبقي فرصة العمل قائمة، وتعطي الموظف خياراً من بين خيارات عدة، ليتمكن من تجاوز المرحلة الراهنة.
إن رقعة الشطرنج اللبنانية، والتي دخلنا عليها بثورتنا الراهنة كلاعب مؤثر وجدّي، تحوي عدداً كبيراً من اللاعبين الذين لا يأبهون بالمصالح اللبنانية ولا بمواجع الشعب. كما أن صراع المحاور الدولية والإقليمية في المنطقة والضغط الغربي للّعب على أوتار ثورتنا، كلها عناصر تدعونا إلى أن نُعمل أقصى درجات العقل لنحمي ثورتنا، ونبعد عنها الفاسدين والمتسلقين، وشبهة الفئوية والطائفية والمذهبية، عبر تكافلنا الاجتماعي، وحماية لقمة عيش الأضعف بيننا وتطوير الحوارات والتواصل، وصولاً إلى تحقيق مطالبنا المعيشية الاقتصادية الاجتماعية التشريعية ثم السياسية. كل ذلك ليس من زاوية البحث عن حلول للسلطة المأزومة، إذ ليس من واجبنا إعطاؤها حلولاً، إنما نحن لدينا حقوق مهدورة، وعلى السلطة إيجاد السبل لتأمينها أو الرحيل.

* محامٍ وناشط مدني