لا يصب الاهتمام الاعلامي والسياسي الدولي بتظاهرات لبنان على قراءة آفاقها وامكان ترجمة مطالبها عملياً فحسب. هناك شق آخر، حيوي، يتعلق بموقف حزب الله مما يجري. وليس هناك من محلل استراتيجي غربي او صحافي الا وبدأ يربط بينها وبين تظاهرات العراق وتداعيات الحدثين على نفوذ ايران من العراق الى سوريا ولبنان.

لكن، بقدر ما تكبر الرغبة في وضع موقف حزب الله من الحدث اللبناني في اطار اقليمي، مرتبط بتطور العلاقة الاميركية - الايرانية وأحداث العراق، الا انه لا يمكن عزل القراءة المحلية الصرف لموقف الحزب الملتقي مع شعارات التظاهرات حول الفساد ومحاربته، وحرصه في الوقت نفسه على مجموعة من الثوابت السياسية التي حددها أمينه العام السيد حسن نصرالله، ودوره المتقاطع مع حلفائه في السلطة الحالية.
لم تخرج التظاهرات، في لحظاتها الاولى، بشعارات سياسية تستهدف طرفاً بذاته، بل كان الهدف المطلبي واحداً، منطلقا من هموم معيشية واجتماعية صرف. ولم يحمل المتظاهرون أو يردّدوا شعارات ضد حزب الله او سلاحه ودوره في سوريا او لبنان وعلاقاته مع ايران. لا بل ان هناك قوى سياسية من خصوم الحزب اتهمته، في الساعات الاولى، انه وراء جزء مما يجري، لا سيما عندما قطعت طريق المطار، وخرج من الضاحية الجنوبية شبان يحرقون الاطارات ويهتفون بمطالب اجتماعية واقتصادية.
في الساعات الاولى، كان يمكن للحزب ان يتلقف الحركة المطلبية ويعمل على سحب اي ذريعة تساهم في تعميق الازمة وتقديم تنازلات تدريجية. لكن، لحسابات او معلومات خاطئة، تأخّر الحزب في القبض على لحظة مفصلية كان يمكن ان تترجم بالضغط لتعديل وزاري فوري والعمل على جملة مطالب اصلاحية في صورة سريعة. والتعويل أكثر على دوره مرتبط، منطقياً، بحيثيته كقوة سياسية، وبكونه يملك حدس الشارع وحساسياته، خصوصا في ظرف اقليمي يجعل من اي خرق استثنائي موضع مراقبة دائمة. وتأخره هذا، جعل تصعيد المتظاهرين حتمياً، ما ساهم اكثر فأكثر في توفير لحظات يقتنص فيها البعض الفرصة لمزيد من ترتيب أولويات الشعارات وتوسعها لتصبح سياسية بامتياز. وهذا صبّ، في نهاية المطاف، في صالح المتظاهرين الحقيقيين ومطالبهم المحقة وتوسع حركتهم، لكنه ساهم - في المقابل - في تمترس كل طرف تعرض لارتفاع حدة شعارات الشارع ضده، خلف تياره وحزبه منعاً لسقوطه، ما ضاعف من ارباكات داخلية حادّة طالت الحزب. اذ انه اصبح امام أكثر من تحد في مواجهة تطور ميداني هو الاول الذي يواجهه منذ سنوات، وانكشاف عورات وضعف القوى السياسية التي احتمت خلفه.
لكن، للمرة الأولى، لم يسارع الحزب الى نجدة حلفائه بالشكل الذي كان يتوقعه هؤلاء. رغم ثلاثة خطابات سياسية القاها نصرالله، وتحديده خريطة طريق سياسية وخطوط حمر بمنع قيام حكومة تكنوقراط واسقاط العهد، الا ان ذلك، عملياً، لا يزال ضمن الاطر السياسية التي اعتاد الحزب التقيد بها عند الاستحقاقات الدستورية، رئاسية كانت ام حكومية.

تأخّر الحزب في القبض على لحظة مفصلية للضغط من أجل تعديل وزاري فوري وتلبية مطالب اصلاحية فوراً

فبخلاف رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل المتوتر، لأن الوقت يداهمه اكثر فأكثر، لفرض ايقاعه بعدما كثر استهدافه محليا وخارجيا وتفاقم ازمة الخلافات الداخلية في القصر الرئاسي، ورئيس الحكومة سعد الحريري الخائف على مصيره «السعودي» ومستقبله السياسي في لبنان، إلا أن مشكلة حزب الله في مكان آخر، وتهدئته الظرفية نابعة من انه «محرج» بين جمهور في مناطق نفوذه يؤيد الشعارات المطلبية الحقيقية ومحاربة الفساد ورد الاموال المنهوبة - وهو الذي حدد قبل تشكيل الحكومة اوليات اقتصادية مماثلة وطالب بوزارة تخطيط - وبين حملة تصاعدية محلية وخارجية تريد استهدافه، وبين تحالفات سياسية تريد الافادة مما يحصل ومن دعمه لها لتمتين مواقعها في مناطق نفوذها وتصفية حساباتها مع معارضيها. حتى ان ثمة حلفاء عولوا في بعض الايام الشديدة الحساسية من قطع الطرق والتظاهرات الحاشدة على ثلاثة جيوب للحزب نفوذ فيها، في جبيل والمتن الشمالي وعاليه – بعبدا، لفتح الطرق وتأمين حرية التنقل، بعد فشل الرهان على نزول عناصر الحزب الى بيروت لفك التظاهرات. هذا بعض من توقعات في غير محلها تحدثت عن امكان زجّ الحزب نفسه في توترات جانبية، خصوصا في مناطق مسيحية لا تؤدي الى تهدئة الوضع بل الى فتنة موصوفة، او في مناطق سنية.
لكن تغليب الحزب التهدئة الآنية، من دون اي مغامرات، لا يعني انه لا يدرس آفاق ما يحصل على الارض وتأثيراته السياسية، معطيا الاولوية لاستراتيجية اقليمية، بخلاف حلفائه المنغمسين في ترتيب بيوتهم الداخلية، وهو يجري في الوقت نفسه مراجعة شاملة سياسية وامنية بطبيعة الحال. من هنا تركه حتى الان مفاوضات الحكومة الى طرفين معنيين مباشرة، بعدما رسم الخطوط العريضة لما يقبله او لا يقبله. لكنه اخرج نفسه من المماحكات المحلية التي جعلت التيار يستنفر جمهوره على مدى اسبوعين للدفاع عن نفسه والعهد، وجعلت الحريري يقع في مأزق حشد مناصريه السنة واعادة التكليف. فلم يدخل في لعبة الشارع، لا اعدادا ولا جماهير حاشدة، ولم يتخل في الوقت نفسه عن دوره المرجعي، محتفظا بأوراقه الى حين الاستحقاق الفعلي، لان اي تسوية تحتاج اليه لضخ الحياة فيها، واي حل لوقف انهيار التركيبة الحاكمة يحتاج الى الكلمة الفصل من عنده. وحتى الان لا تزال التهدئة هي هذه الكلمة.