ما الذي تريده أحزاب السلطة من الجامعة اللبنانية، وهل صحيح أن إهمالها لقضايا هذا الصرح الوطني متعمد لامتلاكها جامعاتها الخاصة، مما يثير الريبة لدى البعض الى حدّ اتهامها بمحاولة ضرب الجامعة اللبنانية عن سابق تصور وتصميم؟

منذ تأسيسها، انتزعت الجامعة الوطنية كل مكتسباتها عبر مقارعة السلطة بمختلف أساليبها، وأبرزها الاضراب المفتوح. وكانت الحركة الطلابية الفاعلة عماد هذه المنازلة، لا بل كان لها رأي في كل شأن، وحتى في امور وقضايا عربية ودولية، وهو امر مبرر نظرا الى طبيعة الاحزاب التي كانت سائدة بين الطلاب في تلك المرحلة، والتي يدين بعضها بعقائد قومية أو أممية.
مع احتدام الحرب الاهلية، أخذت الامور أبعاداً طائفية مما انعكس تراجعاً للاحزاب العلمانية وبروزاً لأحزاب وقوى ذات عقائد دينية. ومع نهاية الحرب الاهلية وتكريس اتفاق الطائف في بنود دستورية، كانت الصورة الطائفية للأحزاب شبه مكتملة، على شاكلة البلد الذي بات مختصراً بمجموعة أشخاص لا يتجاوز عددهم عدد اصابع اليد، وفي ظل الميثاقية التحاصصية التي فرضت البدعة اللبنانية المسماة «الديمقراطية التوافقية»، او قل الـ«لوياجيرغا» اللبنانية.
هكذا، آلت رئاسة الجامعة، في مرحلة ما بعد الطائف، الى الطائفة الشيعية من ضمن سياسة التحاصص الطائفي. وفي غياب مجلس الجامعة، آلت صلاحياته الى الرئيس. ومع استفحال هذه السياسة، جرى الانقلاب على استقلالية الجامعة، وصادر مجلس الوزراء عام 1998 أبرز صلاحياتها، وهي تلك المتعلقة بالتعاقد مع الاساتذة. نتج عن ذلك إدخال الجامعة في دهاليز السياسة التي يعشعش فيها الفساد والطائفية والمذهبية والزبائنية. ولك ان تتخيل ان عقد ساعة تعليم جامعي واحدة، في السنوات العشرين الماضية، لم يكن ليتم الا بقرار من مجلس الوزراء. هكذا تم كي وعي الاستاذ والطالب معاً، وتطويعهما كلياً، واجتياح كل المواقع الادارية والتمثيلية والنقابية. وها نحن، اليوم، نجني ثمار هذا الواقع المأزوم على مستوى التمويل نتيجة فشل الحكومات المتعاقبة اقتصادياً، والمأزوم ادارياً بسبب عدم القدرة على تعيين عمداء الا في سياق صفقات عامة تعيق العمل الاكاديمي، ومأزوم على مستوى الكادر التعليمي إذ يجري تفريغ الاساتذة ضمن صفقات توزّع على المحاسيب من دون معايير أكاديمية واضحة، والمأزوم طلابياً مع تحوّل مجالس الفروع الطلابية الى ملك تتوارثه الاحزاب منذ سنوات من دون اجراء انتخابات بسبب فشل هذه الاحزاب في بث روح الديمقراطية بين الطلاب.
هذا الواقع المأساوي الذي تعيشه الجامعة اللبنانية لا يمكن أن تغيّره مطالب لا ترتقي الى مستوى جسامة الازمة. لا مطلب دون سقف استقلالية الجامعة واعادة الصلاحيات الى مجلسها بعد تعيين عمداء واجراء انتخابات تسمح بمشاركة الطلاب في مجالسها التمثيلية. وإلى هذين المطلبين، تُضاف بقية المطالب.

* استاذ جامعي.