منذ شهرين ونصف شهر، ينتظر الناجحون في مباراة الكتّاب بالعدل لملء 56 مركزاً شاغراً خروج مرسوم التحاقهم بوظائفهم من مكتب رئيس الحكومة سعد الحريري. كان من المفترض ألّا يطول مكوثه على مكتب رئيس الحكومة قبل أن يوقّعه ليكمل «مشواره» إلى قصر بعبدا حيث آخر التواقيع. غير أنه يبدو أنّ في المرسوم ما «يزعج» رئيس الحكومة. وفيما يحاول الناجحون تقصّي أسباب هذا «الانزعاج»، لم يأتهم إلى الآن جواب رسمي واضح يسكّن قلقهم.

يعدّ هؤلاء ما يفصلهم عن التحاقهم بـ«وظائفهم» يوماً بيوم. اليوم، يكمل انتظارهم الشهر الخامس. إذ صدرت نتيجة المباريات في 21 كانون الثاني الماضي. قبل ذلك، كانوا قد انتظروا أيضاً 6 أشهرٍ لصدور نتيجة الامتحانات التي أُجريت مطلع آب من العام الماضي. يومها، قيل لهم إن صدور النتائج استغرق كل هذا الوقت كي يتسنى للجنة قضاة مؤلفة من 21 قاضياً تصحيح المسابقات والتدقيق في النتائج، حفاظاً على «مبدأي النزاهة والشفافية»، بحسب وزير العدل السابق سليم جريصاتي. وقد سمّيت دورتهم «دورة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون»، لأنه أُريد لها أن «تعتمد الكفاءة بعيداً عن الطائفية والمحسوبيات». يحرص جريصاتي، حتى بعد خروجه من الوزارة، على الاحتفاء بـ«الإنجاز». إذ كانت «مباراة كفاءة بامتياز، ومُلئت المراكز الشاغرة وفقاً لتسلسل العلامات كما وردت، وعمد القضاة إلى تعليق النتائج على مدخل الوزارة حتى قبل إرسالها الى مكتب الوزير»، مشيراً إلى أنّ «المرسوم اليوم لدى الأمانة العامة لمجلس الوزراء، يعني لدى مكتب رئيس الحكومة، لأنه مرسوم عادي (...) وأكتر من هيك ما بعرف».
لازمة «الكفاءة والنزاهة والشفافية» استمرّت مع وزير العدل الحالي ألبير سرحال. بعد توليه الوزارة، كُلّفت لجنة من 6 قضاة توزيع الناجحين على المراكز الشاغرة بحسب العلامات والخيارات التي أوردها كل ناجح (لدى تقديم الامتحانات يحدّد المتباري ثلاثة مراكز شاغرة يرغب في ملء واحد منها في حال نجاحه). استغرق الأمر نحو شهر، قبل أن ترسل اللجنة تقريرها إلى وزير العدل إذا رغب في تعديل ما، إلا أن الأخير «وقعها كما هي وأرسل المرسوم في 13 نيسان الماضي إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء لتوقيعه»، بحسب ما يقول مسؤول لجنة متابعة مرسوم الناجحين في دورة الكتّاب بالعدل فاروق خير الدين. منذ ذلك الوقت، «عصي» المرسوم في السرايا الحكومية. حاول الناجحون التواصل مع سياسيين ومعنيين بالملف، «إلا أننا لم نوفّق في الحصول على موعدٍ واحد»، بحسب خير الدين. وفي الإطار نفسه، يشير أحد الناجحين إلى أن«اللجنة حاولت أخذ موعد من وزير الخارجية جبران باسيل، إلا أنه أوصل لنا ما معناه أن التيار الوطني الحر عمل اللي عليه من خلال وزير العدل، وبس يخلص من عند الحريري منتابعو مع الرئيس عون».
لكن، متى؟ لا أحد يعرف. في غالب المرات التي سألوا فيها عن المرسوم، «سُئلنا: على شو مستعجلين؟»، يقول خير الدين. في أوقاتٍ أخرى، قيل لهم أن ينتظروا انتهاء انتخابات الشمال النيابية الفرعية. انتهت الأخيرة، لتحلّ محلها نغمة الانتهاء من إقرار الموازنة، علماً أن لا مترتبات مالية تنتج من التحاقهم بمراكزهم.

التوازن يتحقق خلال سنتين مع التحاق ناجحين آخرين بمراكز ستشغر بالتقاعد


رغم اطمئنانهم إلى أن نجاحهم لا يسقط بمرور الزمن، يتخوف هؤلاء من أن تكون تلك الأسباب ذريعة للاعتداء على حقّهم. ملفات حراس الأحراج وخفراء الجمارك والمراقبين الجويين وغيرهم ممن عُلّق التحاقهم بوظائفهم بسبب غياب «التوازن الطائفي» ماثلة أمامهم بقوة، خصوصاً بعدما «نُمي» إلى البعض في لجنة المتابعة «إنّو في حدا ما بدّو المرسوم لأن جماعته مش طالعين». هذا «الحدا» هو «الرئيس الحريري غير المرتاح للنتيجة التي تفتقر إلى التوازن الطائفي»، علماً أن ثمة - في المبدأ - توازناً طائفياً في النتائج. إذ إن المرشحين الـ 56 لملء الشواغر ينقسمون إلى 30 مسيحياً و26 مسلماً. بفجاجة أكثر، ينقسم المسلمون إلى 13 شيعياً و7 سنة و6 دروز. ما «يزعج» الحريري، بحسب مصادر مطلعة، عدم وجود أي بيروتي بين الناجحين السُّنة (بين من لم يوفقوا في الامتحان نجل مفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان)، وبالتالي ذهبت مراكز كتاب العدل الشاغرة في العاصمة إلى الناجحين المسيحيين حصراً. وهذا، بحسب المصادر، «أثار حساسية الحريري... وكما في تجارب سابقة، يبدو أنه يتريث إلى حين تظبيط الأمور»!
الناجحون الـ 56 لملء الشواغر هم من بين 85 نجحوا من أصل 1597 تقدموا إلى المباراة (بقية الناجحين الـ 29 يسمون فائضاً، ويبقى حقهم بالوظيفة محفوظاً لمدة عامين). منذ صدور النتائج، شغرت 6 مراكز جديدة بالوفاة والتقاعد، ما يعني أن هناك 6 من «الفائض» سيضافون تلقائياً إلى الدفعة الأساسية. يلفت خير الدين إلى أنه «خلال السنتين المقبلتين، سيشغر 16 مركزاً بالتقاعد على الأقل، غالبيتهم من المسلمين السُّنة تحديداً، وهول بيعملوا توازن»! معادلة 6 و6 مكررّ إذاً هي نفسها التي تعطّل التحاقهم بوظائفهم، هي ما يعوّل عليه خير الدين ورفاقه، علّها تكون مخرجاً لالتحاقهم بالوظيفة. كل هذا في مباراة يُفترض أنها، بحسب الدستور والقانون، خارج القيد القيد الطائفي!