مع أن لبنان اعتاد، ماضياً بعيداً وقريباً وحاضراً، على تظاهرات العمال والمعلمين والدفاع المدني وهيئات المجتمع المدني وجمعياته، وعلى تظاهرات الطلاب في سني ما قبل الحرب، وفي مراحل متفاوتة على اعتصامات المحامين والقضاة والأطباء، بيد أنها المرة الأولى يُبصر فيها متقاعدو الأسلاك العسكرية في الشارع، في مهمة لا تمت بصلة الى ما شغلوه في ما مضى. بل أحياناً عُهِدَ إليهم في منع العصيان والتظاهر، وفي مرات ليست قليلة قمعها. هذه المرة، العسكريون هم في قلب الاحتجاج والاعتصام والتظاهر وإحراق الدواليب، في مشهد غير مسبوق: العسكريون المتقاعدون وجهاً لوجه مع الدولة والنظام اللذين تولوا حمايتهما، من دون أن يكون في الإمكان مواجهتهم بما كانوا عليه في الماضي، ولا وضع الجيش وقوى الأمن قبالتهم.

في غالب السوابق، لا يفقد العسكر الثقة بالنظام المنوط به الذود عنه، إلا عندما يقرّر الانقلاب عليه للاستيلاء على السلطة. هذه المرة، العسكريون المتقاعدون لا يفقدون الثقة فحسب، بل يتصرّفون كأنهم في الخدمة، يريدون الانقلاب عليها.
سواء كانوا محقين في ما ينادون به، وهو رفض التخلي عن أي اقتطاع لرواتبهم وتعويضاتهم، أو بانت الحكومة محقة في ما تتوخاه، فإن الظاهرة المستجدة مثيرة للجدل مقدار ما تنطوي على أسباب شتى للقلق:
أولها، مقدرة العسكريين المتقاعدين على استقطاب رفاقهم إليهم وعائلاتهم، والتحوّل قوة على الأرض أثبتت فاعليتها في قطع الطرق وتعطيل المرافق العامة وسد أبوابها، وشلّ ماكنة الدولة كما فعل موظفو مصرف لبنان والمرفأ، الى مقدرتهم أيضاً على المضيّ في حملتهم في مواجهة «الدولة»، بما ترمز إليها سلطاتها كلها.
ثانيها، إن التجييش الذي أظهروه لا يحجب واقعاً لم يعد مخفياً، هو أن رفاقهم في الخدمة صعوداً الى قيادتهم، ليسوا جميعاً بعيدين أبداً من تأييدهم. تبدو مشكلة العسكريين المتقاعدين جزءاً من كلٍ يطاول أيضاً الجيش المدعو ــــ هو صاحب الموازنة الأكبر بين سائر الحقائب ــــ الى تقشف مماثل. أضف إن تقليص الرواتب والتعويضات يساوي بين فريقي العسكريين في الخدمة والمتقاعدين. مع ذلك، حرص قائد الجيش العماد جوزف عون، في الأيام الأخيرة، على تأكيد مضيّه في سياسة تقشفية للجيش، من غير أن يبدو أنه مدعو ــــ كسائر اللبنانيين ــــ الى تسديد فاتورة فساد الطبقة السياسية بتعويض العجز الذي يتخبط فيه اقتصادهم ونقدهم من جرائها.
ثالثها، عدم اقتران نزول العسكريين المتقاعدين الى الشارع بأي علم حزبي، أو لافتة طائفية، أو عناوين تنطوي على رمز سياسي أو عقائدي أو ديني حتى. لم يسع الأحزاب الانخراط بينهم لإعطابهم، على نحو ما فعلت إبان تظاهرات المجتمع المدني في مرحلة الشغور الرئاسي (2014 ــــ 2016)، فأفسدته بعدما شتّتته. تالياً، قد تكون المرة الأولى منذ اتفاق الطائف، لا يقف قائد معلن وراء تحرّك العسكريين المتقاعدين، ولا يُتهمون بـ«التآمر» وتقويض الاستقرار. لعلها من المرات النادرة تخرج موجة احتجاجات وغضب لا يرافقها خطاب سياسي، وتقصر مهمتها على الدفاع عن حقوقها، من دون اتهامها بنعوت شتى تزامنت في السابق مع حالات مماثلة يتداخل فيها الخارج بالداخل. لم يُبصَر في صفوفهم «مندسّون»، شأن ما اختبره المجتمع المدني. كذلك لم يسع السلطات جميعاً، وهي تراقب تنامي القوة الجديدة، سوى الاحتساب والتحوّط من الخيارات الأسوأ.
رابعها، استمرار وجود العسكريين المتقاعدين في الشارع، ناهيك ببثّهم الحماسة في قطاعات أخرى، بينما الأحزاب تتفرّج، من دون أن تتقدّم حكومة الرئيس سعد الحريري بخطوة إيجابية واحدة حيالهم، قد ينذر بما هو أسوأ. لا يبدو في حسبان هؤلاء أن ثمة سقفاً يخفضون رؤوسهم دونه، أو يمنعهم من الذهاب الى أبعد في المغامرة التي تبدو مشروعة، إذ يتمسكون بحقوقهم. بذلك، من غير أن تصبح المشكلة الاقتصادية أزمة سياسية، إلا أنها مرشحة الى أن تتفاعل اجتماعياً، وربما تنفجر فوضى. الإنذار الذي أطلقوه البارحة، باستعدادهم للانتقال من السيئ الى الأسوأ، يُفصح تماماً عن أنهم ماضون في مواجهة حكومة الحريري، الى أن تذعن لمطالبهم.

محتجّون ومعتصمون بلا سقف سياسي أو حزبي أو طائفي


خامسها، الواضح الى الآن أن البون شاسع بين التقشف الذي تقترحه الحكومة على العسكريين المتقاعدين ورفاقهم في الخدمة، كما على موظفي القطاع العام، وبين نظرتهم هم الى مقدار مشاركتهم في «التضحية»، المدعوين الى بذلها لإنقاذ الاقتصاد والنقد الوطني. إلا أنه الثمن المكلف لأخطاء جسيمة ارتكبت بعد عام 2017، مع إقرار سلسلة رتب ورواتب غير محسوبة عائداتها، وعام 2018 مع رشوة مشهودة رافقت الانتخابات النيابية وأفضت الى توظيف حظّره قانون سلسلة الرتب، لم يمنع من إدخال ما يزيد على 21 ألفاً في الإدارة والأسلاك العسكرية. أضف أعباء العجز والديون المتراكمة مذ وضع اتفاق الطائف السلطة والحكم بين أيدي قوى سياسية، معظمها ــــ إن لم يكن كلها ــــ في أوقات متفاوتة متقلبة المراحل، قاتل الجيش. مذذاك، من خلال هذه القوى، لم يتوقف تمويل الدولة أحزابها وقادتها. ضاعف في وطأة التردي الاقتصادي في السنوات الثلاث الأخيرة، وتالياً الاتكال على تمويل الدولة لها، بوضع اليد على مرافقها، انقطاع مساعدات مالية ضخمة كانت تتدفق على طرفي النزاع السنّي ــــ الشيعي في لبنان، وهما السعودية وإيران. بات معلوماً أن الأحزاب الموالية لهاتين الدولتين بدأت تئن من افتقارها إليها. عبّرت عن هذا الشحّ نتائج انتخابات 2018، بعدما اختبرت انتخابات 2009 مدّ قوى 8 و14 آذار بالمال السخيّ على نحو غير مسبوق في انتخابات نيابية عامة شهدتها البلاد.