استقبل وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل، أمس، السفير الإيراني لدى لبنان محمد جلال فيروزنيا. تأتي الزيارة قبل أيام من حلول شهر رمضان، فوجدها الوزير مناسبةً جيدة، لتسليم الدبلوماسي الإيراني رسالةً إلى وزير خارجية بلاده محمد جواد ظريف، تتضمن طلب إصدار «عفو خاص لمناسبة شهر رمضان المبارك» عن اللبناني المسجون في إيران، منذ قرابة أربع سنوات، نزار زكا. حُكم على الأخير بالسجن عشر سنوات، لأنّ خرّيج أكاديمية ريفرسايد العسكرية الأميركية مُتهم بالتجسس على إيران لمصلحة الولايات المتحدة الأميركية.

يحرص المسؤولون اللبنانيون، من رئيس الحكومة إلى وزير الخارجية، مروراً بعددٍ من النواب والوزراء والسياسيين، خلال لقائهم بنظرائهم الإيرانيين، أو في زمن الانتخابات، على تظهير مُطالبتهم بإطلاق سراح زكا. الدولة اللبنانية تريد استعادة مواطنها. هذا حقّها الطبيعي، وجهودها الكثيفة تأتي لتنفي الدعاية التي يروجها زكا، وحلفاء أميركا في لبنان، بأنّه متروك لقدره ويتعرض للتعذيب ووضعه مأساوي، ولا سيما أنه قادر من زنزانته، على التواصل مع الشخصية التي يريد في العالم، ويُقدم ترشيحه إلى الانتخابات الفرعية في طرابلس، ولا يتوقف عن إصدار البيانات ومناشدة المساعدة. طريقة التعامل مع ملفه تدفع إلى طرح السؤال عن سبب الحماسة المحلية لهذه القضية بالذات، في حين أنّ أحداً لا يجرؤ على التفوه بأسماء اللبنانيين في أميركا اللاتينية ودول الخليج، وغيرهم من الذين يتعرضون يومياً لتعسّف الأميركيين. لم يُستدعَ سفراء الولايات المتحدة الأميركية أو الإمارات أو فرنسا أو الباراغواي أو المغرب... للاحتجاج وتسليمهم رسائل لرؤسائهم.
من سخرية القدر أن يكون رئيس الحكومة، وبعض الوزراء، قادرين على مواجهة إيران - الدولة التي تُتهم بأنها تُسيطر على قرار لبنان السياسي عبر حزب الله - فيما هم يبلعون ألسنتهم أمام الولايات المتحدة وأدواتها في الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية. فـ«العزّ» الذي تُحاط به قضية زكا، تُحجب عن علي فواز وأحمد نمر صبح وعبد الرحمن طلال شومان وحسين محمد بردى وجهاد محمد علي فواز ومحسن عبد الحسين قانصو ومصطفى كريّم، الموقوفين الثمانية في الإمارات العربية المتحدة، منذ قرابة سنة. علماً أنّه «خلال جلسة محاكمتهم في أبو ظبي، قال القاضي إنّ عدد المتهمين يبلغ 11، ولكن ثلاثة منهم هاربون، وهم ف. س. وا. م. وع. ن، ونحن لا نعلم شيئاً عنهم، أو عن صحة وجود تهم بحقهم وهروبهم»، بحسب أهالي بعض الموقوفين.
ما يُعاني منه الموقوفون، ليس أقل من مأساة. ولا يواجهونها وحدهم، بل يُضاف إليهم ثلاثة لبنانيين محكومين بالسجن المؤبد في الإمارات، منذ عام 2015 بتهمة التعامل مع حزب الله، هم علي حسن المبدر وعبد الله هاني عبد الله وأحمد علي مكاوي. يُحاول الأهالي العمل على جبهتين: الأولى، القيام بضغط سياسي قبل جلسة الحكم في قضية الشبان التي حُدّدت في 15 الشهر الجاري، حتى لا يواجهوا أيضاً «المؤبد». أما الجبهة الثانية، فهي السعي للتوصل إلى إصدار عفو عن المبدر وعبد الله ومكاوي، بمناسبة شهر رمضان.
«قصة ولادنا بدها معجزة سياسية»، يقول أهالي عددٍ من الموقوفين لـ«الأخبار». يحرص هؤلاء خلال الحديث على عدم التعرّض للإمارات، فمشكلتهم «الأساسية هي مع الداخل اللبناني. عتبنا على الدولة كبير. ونُطالب رئيس الجمهورية بأن يجد وقتاً لمقابلتنا». يشكو الأهالي من عدم استقبالهم من قبل أحدٍ من المرجعيات المعنية، «أما من تواصلنا معهم، فاعتبروا أنّه لا يُمكن القيام بشيء». وتنقل والدة واحد من الشبان الثلاثة عن موظف في وزارة الخارجية قوله لها، قبل أسابيع: «عم تحملونا أكتر من طاقتنا... صرخت بوجهه وسألته: أين أذهب إذا كانوا هم يتحملون أكثر من طاقتهم؟ لمن ألجأ؟». ترفض السيدة ذكر اسم الموظف، ولكنها تُضيف أنها بعد ردّ فعلها، «حاول مدير مكتب وزير الخارجية تهدئتي، وتواصل أمامي مع السفير اللبناني لدى الإمارات فؤاد دندن، طالباً منه القيام بالإجراءات اللازمة لعلّ السلطات الإماراتية تعفو عن أولادنا الثلاثة خلال شهر رمضان».
عند هذا الحدّ، تقف المتابعة اللبنانية، التي لا ترقى إلى مستوى الأزمة التي يواجهها الشبان. أهاليهم لا يتوقفون عن التحرّك، فنقلوا قصتهم إلى منظمات حقوق الإنسان الدولية، وأطلقوا وسم «#موقوفو_الإمارات» على موقع «تويتر» لخلق أكبر مساحة من التواصل معهم. إلا أنّ كلّ ذلك، على قدر أهميته، يبقى ناقصاً. المطلوب أن يتحول الملف من «دبلوماسي» إلى قضية سياسية، يتابعها أعلى المراجع في الدولة، لإنقاذ الشبان قبل 15 أيار.

مُنع أهالي الموقوفين من لقائهم، ولم يُسمح للمحامين بمقابلتهم


بعد آخر جلسة قضائية للموقوفين الثمانية، في نيسان الماضي، نقلوا من زنازينهم الانفرادية إلى سجن الوثبة الجماعي، «وما زالت الزيارات ممنوعة عنهم. حتى المحامون الذين حصلوا على إذن من النيابة العامة الإماراتية للقائهم، رفض آمر السجن تنفيذ الطلب». موكلو الموقوفين لم يحصلوا كذلك على ملفّ القضية، «جُلّ ما اطلعوا عليه هو الاعترافات التي أُجبر الموقوفون على التوقيع عليها وهم معصوبو الأعين». مصطفى كريّم أُجبر على التوقيع على ورقة بيضاء، «قبل أن يتبين أنها اعتراف بأنه جاسوس لحزب الله وإيران». أما عبد الرحمن شومان، فكانت تهمته في البداية «التحضير لاغتيال ماريا معلوف، قبل أن تتحول إلى تشكيل خلية لحزب الله». ما تقدّم مثالان على ما يواجهه الشبان. سبعة من الموقوفين كانوا يعملون لدى شركة الطيران الإماراتية، وهم بحكم عملهم، «مجبورون على دراسة كُتيب عن الطيران والطائرات. ولكنّ السلطات الإماراتية اعتبرت أنّ حيازة الشباب لهذا الكُتيب، دليلٌ على تورطهم في مراقبة المطار وجمع المعلومات والتحضير لاختطاف طائرات». يخاف الأهالي أن تكون جلسة الحكم في 15 أيار صُورية، خاصة أنّه في السابق «حاول الإماراتيون انتزاع اعترافات من الشبان، عبر دفعهم إلى وشاية بعضهم ببعض، من خلال، مثلاً القول للأول إنّ الثاني أقرّ بتشكيلهما خلية، وهكذا دواليك»، فضلاً عن تعرضهم للتعذيب طوال ثلاثة أشهر، «ومنع بعضهم من النوم لثمانية أيام متواصلة، أو إجبار آخرين على الوقوف لخمسة أيام وهم عراة».
في وزارة الخارجية والمغتربين، السؤال عن القضية يقود إلى الجواب: «هناك إجراءات وتدابير تقوم بها الوزارة، بالتنسيق مع الأهالي، ولكن من غير الضروري إعلانها حتى لا يتضرر الموقوفون». أما من جانب الرئاسة الأولى، التي يقول الأهالي إنّها رفضت طلبهم لقاء الرئيس ميشال عون، فتقول المصادر إنّه «جرى تكليف المدير العام للأمن العام ووزير الخارجية متابعة الملفّ، من دون أن تظهر نتيجة حتى الآن. الرئيس يُتابع عن قرب، ولكن الأفضل معالجة الملف بعيداً عن الإعلام». ولكن بحسب الأهالي، الذين يُتابعون قضيتهم مع الأمن العام، اللواء عباس إبراهيم «غير مُكلّف رسمياً، ولذلك لا يُمكنه القيام بأكثر مما فعله لجهة سؤال الأجهزة الأمنية الإماراتية». في كلّ مرة، كان إبراهيم يتلقى الجواب نفسه من الجانب الإماراتي: «القضية قضية أمن القومي». وبحسب مصادر أمنية، «القصة بحاجة إلى تدخل سياسي».