لم تُطوَ بعد صفحة الناشطين السابقين في التيار الوطني الحرّ، المطرودين أو المستقيلين من الحزب. هؤلاء الأفراد، المعارضون بدرجة أولى لـ«نهج التيار» برئاسة الوزير جبران باسيل، وبدرجة ثانية لمختلف التشكيلات الحزبية، يُحاولون تفعيل تنظيمهم. نقطة الانطلاق كانت قبل سنوات، وتحديداً عام 2014، مع إعادة فتح النقاش في النظام الداخلي للتيار الوطني الحرّ، وبعدها استقالة (أو إقالة) عدد من الكوادر والحزبيين نتيجة خلافات بشأن آلية اتخاذ القرار داخل الحزب. اعتبر المعارضون أنّ «القلعة مُحتلة»، وعليهم واجب «تحريرها». ولكن لم يتشاركوا جميعاً النظرة نفسها، فكان من بينهم من رأى أنّه يجب إعلان القطيعة نهائياً مع تِلك «القلعة»، والتأسيس لهيكلية جديدة. بعد الانتخابات الرئاسية، ألزم المعارضون أنفسهم بـ«هدنة» غير مُعلنة، فرضها عليهم انتخاب العماد ميشال عون رئيساً، والوهج الذي رافق انطلاقة العهد. وُضعت هذه الحسابات جانباً، بعد الانتخابات النيابية، وارتفاع «الصراخ» في الأوساط الشعبية في وجه الطبقة السياسية، وتعمّق الأزمات الاقتصادية - المالية - الاجتماعية. أنطوان نصرالله، طوني مخيبر، نعيم عون، نعمان مراد، بسّام الهاشم، فادي جلوان، إيلي بيطار، رمزي كنج، إيلي فغالي... وغيرهم من الأفراد سيعقدون يوم السبت، الاجتماع العام الأول للتحرّك، بحضور قرابة 60 شخصاً، «إلا أنّ عدد الناشطين معنا أكبر من هذا الرقم»، بحسب أحدهم. التواصل يجري أيضاً مع متقاعدين من الجيش اللبناني، رافقوا الرئيس عون في مسيرته «الجنرالية»، كأنطوان عبد النور وفؤاد الأشقر وأنطوان القصاص وجورج نادر...

يرفض نعيم عون التعليق على المعلومات المتداولة عن أنّهم يتواصلون حالياً مع عددٍ من الضباط المتقاعدين، ولكنّه يقول إنّ «ظروف التحرّك اليوم باتت أفضل من السابق. العوامل تبدّلت، وبات يُمكن تفعيل العمل، مع ارتفاع مستوى الإدراك لدى الرأي العام للحقيقة، بصرف النظر عن كيفية التعبير عن هذا الوعي». يُضيف أحد الأعضاء في التنظيم الجديد أنّ «الوضع الحزبي السيّئ للتيار، الذي ظهر خلال الانتخابات النقابية والنيابية والطلابية، والنقد الداخلي في الحزب، والوضع الوطني الكارثي، عوامل أدّت إلى إنضاج التحرّك»، إضافةً إلى أنّ «الرفاق والناس لم يعودوا ينظرون إلينا كخونة». ولكن من هو هذا «الرأي العام» الذي يتحدّث عنه المعارضون ويريدون جذبه؟ يردّ نعيم عون بأنّ القاعدة التي يجري التوجّه إليها تجمع ما بين «الحزبيين في التيار أو من يدور في فلكه، والرأي العام اللبناني غير الملتزم بأحزاب».
التفاؤل الذي يُظلّل حديث نعيم عون، يدحضه أحد العونيين السابقين (لا ينشط حالياً مع نعيم وبقية المعترضين)، الذي يعتبر أنّ «الجمهور الذي يتوجّه إليه الرفاق المعارضون، إما لا يزال يعتبر أنّ ميشال عون هو القائد، وبالتالي لن يُقدم على خيار يُخالفه، وإما تمكّن جبران باسيل من تطويعه». إضافةً إلى عدم وجود عناصر داخلية يُمكن البناء عليها، «المقصود هم النواب الذين باتوا داعمين لباسيل.

نعيم عون: ليس لدينا استحقاق نخوضه داخل التيار

وأفراد العائلة، كميراي عون وشامل روكز، اللذان يُظهران تمايزاً إعلامياً، من دون بلورة رأي اعتراضي واضح أو وضع خطة عمل». نعيم عون، غير الموافق على ما تقدّم، يقول إنّ الركائز التي كانت مؤمنة لدى «التيار» زمن ميشال عون، «غير موجودة لدى جبران باسيل. فالحزب يتفكك، والحالة الشعبية إلى تراجع، والعلاقة مأزومة مع كلّ القوى الحليفة له». نتائج الانتخابات النيابية، وتنظيم باسيل للحزب، وارتفاع نسبة الانتسابات، أليست أموراً تدلّ على نجاح «التيار» وتطوّره؟ يردّ عون بأنّ «الماكينة أفعل صحيح، ولكن داخل التنظيم من يعطي رأيه؟ كيف تعمل اللجان؟ التيار اليوم بروباغندا وتأليه صورة جبران، الذي وصف نفسه بالضمانة (خلال العشاء الذي نظّمه التيار بمناسبة 14 آذار)، عوض أن يكون النصّ هو الضمانة. فموهوم من يعتقد أنّ شيئاً يدوم له». قد يراهن المعترضون على «تراجع وضع التيار» ليُسهّل عليهم العمل، ووجود تعاون «بين الداخل (التيار العوني) والخارج، لإنقاذ تاريخنا ومبادئنا ومستقبلنا»، بحسب عون. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، «ستكون الحركة تصاعدية». كلامه يوحي وكأنّ الحركة «تصحيحية» داخل التيار العوني، من خلال ذكر التنسيق مع أفراد داخل التنظيم الحزبي تكيل الملاحظات والانتقادات لباسيل حصراً، دون بقية الأحزاب التي يشوب وضعها الحزبي والسياسي العديد من الأخطاء، إلا أنّ نعيم عون يوضح قائلاً: «هدفنا الناس وليس الآرمة. ليس لدينا استحقاق نخوضه داخل التيار. في هذا الشقّ، الحزبيون هم الذين يُقررون إذا أرادوا شنّ معركة داخلية للإصلاح، أو يعتبرون أنّ الأمور جيدة وليست بحاجة إلى تعديل». وعلى أي أساس تتواصلون معهم إذاً؟ «واجباتنا أن نُنبّه إلى وجود خطر وكذب وانحراف عن المبدأ». ويقول أحد أعضاء التحرك «المعارض» إنّ «حركتنا إصلاحية لإنقاذ روحية التيار، ولسنا معارضة للعهد، ولكننا نقديون لكلّ القوى السياسية».
الإطار الذي يعمل وفقه المعارضون ليس واضحاً بعد. يقول نعيم إنّ «العمل يقوم أولاً على التواصل مع الناس وإخبارهم عن الوضع، ثمّ يأتي التحريك. قد نؤسس لحزب جديد، وقد نختار إطاراً مختلفاً. التنظيم أمر ثانوي حالياً، وهو سيكون نتيجة لعملنا. وفي النهاية، نُقرّر نحن والناس الإطار الذي نريده». ألا يوجد على الأقلّ مبادئ مُعينة؟ «لن يُكتب أفضل من أدبيات التيار الأساسية».