يحتاج لبنان إلى 3884 ميغاواط ليغطّي كامل الطلب الاستهلاكي على الكهرباء. الخطّة المعروضة على مجلس الوزراء تلحظ هذا الأمر، إلا أنها تقسم تنفيذه إلى مرحلتين: المرحلة المؤقتة تتضمن إنشاء أو استقدام معامل إنتاج بقدرة 1450 ميغاواط، والمرحلة الدائمة تتضمن إنشاء معامل بقدرة 3100 ميغاواط. الخطّة تلحظ أيضاً في المرحلة المؤقتة، أن يتم العمل على خفض الهدر الفني وغير الفني إلى الحدود المقبولة عالمياً بموازاة العمل على تعزيز شبكات النقل وتحسين الجباية، ما يسهم في «خفض العجز المالي لمؤسسة كهرباء لبنان المتوقع أن يكون 1.4 مليار دولار في 2019، ليصبح 574 مليون دولار في 2020، ثم يتحوّل العجز إلى مدخول في عام 2022، حيث يكون مجموع إيرادات مؤسسة كهرباء لبنان خلال الفترة 2020 ــــ 2025 نحو 221 مليون دولار».

لا أحد يناقش في أهداف الخطة. فالمسار واضح، والمطلوب إنشاء معامل إنتاج تلبي الطلب الاستهلاكي، وإنهاء شبكات النقل التي تؤدي إلى خفض الهدر الفني، وقمع التعديات على شبكة التوزيع، وتعزيز الجباية… وصولاً إلى التخلص من عبء الكهرباء على الخزينة. كل هذه الأهداف تعدّ بديهية، لكن المشكلة في الآليات. الشيطان يكمن في التفاصيل. فالخطّة لا تذكر بوضوح طريقة تمويل إنشاء المعامل، لا في مرحلتها المؤقتة ولا في مرحلتها الدائمة، وهي لا تقدّم أياً من الخيارات المطروحة للمرحلتين الدائمة والمؤقتة على أنه خيار حاسم، ولا تشير بوضوح إلى آليات التلزيم، كما تركت تقنيات الإنتاج وخيارات تأمين المحروقات وأنواعها «مفتوحة على كل الاحتمالات»…
في الواقع، يُنقل عن وزيرة الطاقة ندى البستاني أن تلزيم إنشاء المعامل والأعمال الخاصة باستكمال شبكات النقل، سيكون بطريقة IPP، أي منتج الطاقة المستقل الذي يلتزم المشروع ويموّله ويبيع الطاقة للدولة اللبنانية لفترة زمنية طويلة نسبياً قد تصل إلى 20 سنة، ثم تستعيد الدولة هذه المنشآت.

تعقيدات تواجه مقارنة الأسعار بين العارضين المفتوحة (هيثم الموسوي)

هذه الآلية هي التي اعتمدها مجلس الوزراء لخصخصة معمل «دير عمار ــــ 2» خلافاً لما تنصّ عليه المادة 89 من الدستور: «لا يجوز منح أي التزام أو امتياز لاستغلال مورد من موارد ثروة البلاد الطبيعية أو مصلحة ذات منفعة عامة أو أي احتكار إلا بموجب قانون وإلى زمن محدود».
إذاً، الخصخصة انطلقت من «دير عمار ــــ 2»، وهي تستكمل اليوم في هذه الخطّة بمرحلتيها الدائمة والمؤقتة. ليست هذه المشكلة الوحيدة، بل إن الخطّة تضع الدمج بين المرحلتين خياراً غير واضح المعالم، إذ تشير إلى أنها اعتمدت على نوعين من الحلول «أحدهما مؤقت، والآخر دائم مع إمكانية دمجهما ضمن حلّ موحّد».
يثير هذا الأمر الكثير من التساؤلات. فإذا قدّمت إحدى الشركات عرضاً يقتصر على المرحلة المؤقتة، فيما قدّم غيرها عروضاً للمرحلتين بشكل مدموج، فكيف ستتم مقارنة الأسعار بينهما وعلى أي أسس؟ هل ستكون هناك أفضلية للعرض المدموج؟ هل ستكون العروض على أساس المراحل أم على أساس المعامل؟
ويزداد هذا السؤال تعقيداً مع وجود خيارات مفتوحة لجهة الأرض التي ستبنى عليها المعامل، فإذا كانت على عاتق العارض، فإن مقارنة الأسعار مع العارضين الآخرين الذين قدّموا عروضاً على أساس الأرض التي تملكها الدولة، تصبح صعبة وقد لا تكون عادلة. عندها، قد تضطر لجنة التلزيم إلى احتساب سعر الأرض ضمن الصفقة، ما يجعل سعر العارض مرتفعاً، أو أنها ستحسم سعر الأرض من الصفقة، ما قد يؤدي إلى أفضلية لهذا العارض على غيره!
في الواقع، كانت هذه الإشكالية واقعة يوم قرّرت الدولة أن تسير بمناقصة تلزيم المعامل المؤقتة مع فتح الخيارات بين معامل عائمة على البحر (البواخر) ومعامل متنقلة في البر. يومها ردّت وزارة الطاقة على هذا الأمر بالإشارة إلى أنها تعتمد مقاربة «التسعير المتساوي» أو Levelized Cost، لكن إدارة المناقصات رأت أن تطبيق هذه المعادلة يؤدي إلى مقارنة أسعار بين أمرين غير متطابقين، ولا يشكّل عنصر شفافية وعدالة لكل من الدولة اللبنانية والعارضين، إذ إن النتيجة ستكون على حساب أحدهم.
ومن الأمور التي تزيد صعوبة المقارنة بين الأسعار والمواصفات الفنية والتقنية للعارضين، أن الخيار مفتوح أيضاً لأنواع المحروقات المستعملة لإنتاج الكهرباء. فالخطّة تترك الأمر للعارض الذي يمكنه الاستفادة من الفيول الذي تشتريه الدولة، ومن تأمين الفيول عبر طريقته الخاصة.
في هذا السياق، تبدو الأمور معقّدة جداً، ويبدو أن كل طرف من الأطراف السياسية يدفع في اتجاه شركة لديه التزاماته الخاصة معها. وما يعزّز هذا الاستنتاج، أنه بحسب مصادر معنية، تبيّن أن فكرة استدراج العروض المحصور لتلزيمات معامل الكهرباء كانت مطروحة من أجل استدعاء عدد معيّن من الشركات وتجاهل شركات أخرى، ما يحصر المنافسة بعدد قليل من الشركات وبعدد قليل من شركائهم المحليين الذين يملكون الارتباطات السياسية اللازمة.
كل زيادة في الإنتاج بقدرة 100 ميغاواط تؤدي إلى عجز مالي إضافي بقيمة 60 مليون دولار


فوق ذلك كلّه، برز اتجاه إلى تضمين التلزيمات أشغالاً لا تتعلق بمعامل الإنتاج، بل باستكمال شبكات النقل، ما يعني أن التعقيدات ستزداد وستكون هناك صعوبة أكبر في طريقة احتساب الأسعار والتلزيم.
يضاف إلى ذلك كلّه ملاحظة أساسية عن المرحلتين الدائمة والمؤقتة: هل يحتاج لبنان فعلاً إلى مرحلة مؤقتة في ظل قدرة الشركات على تركيب معامل الإنتاج خلال فترة قصيرة نسبياً تصل في حدّها الأقصى إلى 25 شهراً (تتضمن هذه الفترة أعمال إعداد دفاتر الشروط والتحضيرات البيروقراطية وإطلاق المناقصات وإعلان النتائج، وصولاً إلى البدء بالتركيب الذي لا يتطلب أكثر من 18 شهراً كما حصل في مصر مع شركة سيمنز)؟ ألا يمكن المستهلكين الاعتماد لفترة سنتين إضافيتين على المولدات الخاصة؟ فالخطّة تشير إلى أن تركيبة المرحلة المؤقتة تتطلب بين ثلاث سنوات وخمس سنوات، وأنه في ذلك الوقت تكون مؤسسة كهرباء لبنان قد عملت على خفض الهدر في التيار الكهربائي من 34% حالياً، إلى 12% في عام 2021، إذ إن هناك هدراً فنياً على الشبكات مقدر بنحو 13%، وهدر غير فني (تعديات على الشبكة لاستجرار التيار بطريقة غير نظامية) مقدر بنحو 21%، فيما المعدلات العالمية لمجموع الهدر تتراوح بين 7% و15%.
إذاً، ألا يجب خفض الهدر في التيار بمعزل عن إنشاء معامل الإنتاج، وخصوصاً أن الخطّة تشير إلى أن «كل خفض في الهدر الفني وغير الفني بنسبة 1% يؤمن مردوداً بقيمة 20 مليار ليرة لمؤسسة كهرباء لبنان»؟ كذلك تلحظ الخطّة وجود نتيجة سلبية لزيادة الإنتاج: «كل زيادة للقدرة الإنتاجية لكهرباء لبنان بقدرة 100 ميغاواط، تزيد العجز المالي بنحو 60 مليون دولار على أساس التعرفة الحالية للكهرباء والمحتسبة على أساس سعر برميل النفط بقيمة 66 دولاراً».
بحسب مصادر معنية، فإنه لم يكن هناك «قرار في السابق لتنفيذ هذا الأمر، لأن تحسين شبكة النقل وإزالة التعديات يتطلبان قرارات سياسية وقبولاً من القوى السياسية كافة، وهو أمر لم يكن مؤمّناً في السابق». أما القول إن زيادة الإنتاج تزيد العجز المالي، فهي صحيحة، لذا فإن «الخطّة ترسم مساراً زمنياً لتنفيذ المعامل يلغي هذا الأثر السلبي، إذ سيتم خفض الهدر قبل الانتهاء من إنشاء المعامل الجديدة».



دولة ظالمة = تعرفة غير عادلة
تقترح خطّة الكهرباء أن يتم رفع تعرفة الكهرباء للمستهلكين من متوسط 138 ليرة لكل كيلواط ساعة إلى 217 ليرة، أي إلغاء الدعم لتعرفة الكهرباء بصورة كاملة. تستند الخطّة إلى مبررات مالية لهذا الأمر، إذ إن كل زيادة قيمتها سنت واحد على التعرفة يسهم بخفض العجز المالي للكهرباء بنحو 100 مليون دولار، لكنها لا تأخذ في الاعتبار أن الدعم لتعرفة الكهرباء والذي كان قائماً على أساس احتساب سعر برميل النفط بين 15 دولاراً و20 دولاراً، فيما التعرفة المقترحة تأخذ في الاعتبار السعر الوسطي لبرميل النفط بقيمة 66 دولاراً، على أن تكون هذه التعرفة متحركّة صعوداً ونزولاً تبعاً لارتفاع أسعار النفط أو انخفاضها.
هذه التعرفة ليست عادلة بأي شكل من الأشكال، فالدعم الحالي يشمل كل المستهلكين ولا يفصل بين الفقراء والمقتدرين، وإلغاء الدعم بشكل شمولي أيضاً لا يفصل بين الفقراء والمقتدرين أيضاً، ما يعني أن رؤية الدولة الاجتماعية غير متوافرة في الحالتين. وفي مقدور الدولة أن تُبقي الدعم وفق الشطور، على أن يكون ملغى كلياً لمن لديه قدرة واسعة على الاستهلاك، لا أن تقرّ اللجنة الوزارية التي تمثّل الكتل النيابية المنتخبة من الشعب اللبناني، تعرفة ظالمة.