عمان | كعادة الدول العربية، لم تعكس أعمال المؤتمر الـ 29 للاتحاد البرلماني العربي رؤية برلمانية واحدة تجاه القدس، عاصمة فلسطين، مع كل المخاطر التي تحيط بالمدينة وبفلسطين كاملةً، لا سيّما بعد القرار الأميركي بالاعتراف بـ«السيادة الإسرائيلية» على كامل المدينة ونقل السفارة الأميركية إليها. ومع أن مؤتمر هذا العام، في العاصمة الأردنية عمّان، وعلى بعد أقل من 70 كلم عن مدينة القدس، إلّا أن بعض الدول العربية، لا سيما التحالف السعودي - البحريني - الإماراتي، استغلّت منبر المؤتمر الذي يحمل عنوان «القدس العاصمة الأبدية للدولة الفلسطينية»، للهجوم على إيران.

ويأتي هذا الموقف خرقاً واضحاً للقرار الذي اتخذ خلال الاجتماع التحضيري لرؤساء الوفود البرلمانية المشاركة في المؤتمر ليل أول من أمس في فندق فيرمونت في منطقة عبدون غرب عمّان. إذ إن مصادر شاركت في الاجتماع أكّدت لـ«الأخبار» اتفاق رؤساء الوفود على حصر جدول أعمال المؤتمر والبيان الختامي، بالحديث عن القدس وفلسطين، وتثبيت عنوان المؤتمر.
غير أن فعالية أمس، يثبت مرّة جديدة، ارتباط غالبية البرلمانات العربية بحكوماتها وأنظمتها ولا تمثّل شعوبها، بعد الإدلاء بكلامٍ «ممجوج» وانهزامي عمّا يسمّى بـ«أراضي 67» و«القدس الشرقية» من قبل دول الخليج ومصر، باستثناء كلام رئيس البرلمان الكويتي مرزوق الغانم الذي هاجم التطبيع مع العدوّ، في مشهد يذكّر بالصورة المخزية لوزراء خارجية التحالف الخليجي في مؤتمر وارسو مع رئيس وزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

سوريا نجمة المؤتمر
وعلى بؤس المواقف الخليجية من القدس وفلسطين، مثّلت مشاركة سوريا في المؤتمر بوفد رأسه رئيس مجلس الشعب حمودة الصّباغ، كسراً لمنع مشاركة سوريا في الاجتماعات العربية على هذا المستوى، مع التحوّلات التي أصابت المواقف الخليجية في العام الماضي بعد الصمود العسكري والسياسي السوري ودعم حلفاء دمشق لها. ولا شكّ بأن التحوّل الجذري في موقف الملك الأردني عبد الله الثاني اتجاه سوريا في الآونة الأخيرة، بعد فشل محاولات إسقاط دمشق من درعا، ترجمتها جهود رئيس مجلس الشعب الأردني عاطف الطراونة في دعوة سوريا إلى المؤتمر والخروج بتوافق عربي على هذه الدعوة. فضلاً عن موقف رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه برّي الذي قاطع أعمال المؤتمر خلال السنوات الماضية اعتراضاً على غياب سوريا.
وبدا واضحاً من حفاوة استقبال الوفد السوري أردنياً، والتودّد الذي أبداه رؤساء الوفود العربية للصبّاغ خلال الاجتماع التحضيري قبل يومين، تثبيت التحوّل في المزاج العربي الرسمي والتمهيد لإنهاء تجميد عضوية سوريا في الجامعة العربية ودعوتها للمشاركة مجدداً في اجتماعات الجامعة.

غانم لـ«الأخبار»: البيان الختامي يجب أن يعكس خطوات عملية في رفض التطبيع


إلّا أن كل المعلومات المتقاطعة حتى مساء أمس، لا تؤشّر إلى احتمال دعوة سوريا إلى اجتماع القمّة العربية في تونس. وبرّر أكثر من مصدر مشارك في أعمال المؤتمر أمس لـ«الأخبار»، السبب في تأخر هذه الدعوة، إلى الضغوط الأميركية أوّلاً، وثانياً عدم إقدام دمشق على أي خطوة شكليّة تساعد الدول العربية على «النزول عن الشجرة»، بل على العكس، «تتمسّك دمشق بكامل مواقفها السابقة وكأنها بغنى عن جامعة الدول العربية»، في مقابل تأكيد المصادر السورية أن «سوريا لم تخرج من الجامعة العربية إنّما أُخرِجت، وعلى من أخرجها أن يصحّح خطأه».
غير أن مصادر شاركت في الاجتماع التمهيدي، أكّدت لـ«الأخبار» أن مواقف رؤساء الوفود الخليجية في كواليس المؤتمر، لا سيّما السعودية وقطر، كان الترحيب بمشاركة سوريا، وتأكيد ضرورة عودتها إلى الجامعة العربية. كما جرى الحديث عن عودة الاتحاد البرلماني العربي للعمل من مقرّه السابق في دمشق قبل نقله إلى القاهرة مع بدء الحرب على سوريا، فيما رحّب الصّباغ بالأمر مؤكّداً أن «سوريا لم تغلق الباب بوجه أشقائها بل ما حصل هو العكس».
وأكدّت مصادر أخرى، اطلعت على أجواء اللقاء الذي جمع الصبّاغ برئيس مجلس النّواب العراقي محمد الحلبوسي، أن الأخير وجّه دعوة لنظيره السوري للمشاركة في مؤتمر يحضّر له العراق، تحت عنوان «مؤتمر برلمانات جوار العراق» خلال الأسابيع المقبلة، وستتمّ دعوة السعودية والكويت والأردن وسوريا وتركيا إليه. وأكّدت أن العراق «يحاول لعب دور توفيقي لتخفيف التوتّر في الإقليم، لا سيّما بين إيران والسعودية، والسعودية وتركيا وتركيا وسوريا من خلال العمل البرلماني».

غابت تركيا وحضرت إيران!
بدا ترحيب الطراونة في كلمته الافتتاحية بانتصار العراق وسوريا على الإرهاب، علامة فارقة ومؤسسة للخطاب الأردني، والترحيب بالحلول السياسية في البلدين. وكان لافتاً التزام الطراونة بالحديث عن القدس، وليس عن القدس الشرقية، فيما أكّد «الوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة ورفض أي تغيير». لكنّ موقف رئيس مجلس النواب المصري، علي عبد العال، بدا انعكاساً مجانياً للموقف الحكومي المصري، بدل التمايز والتعبير عن موقف الشارع المصري. فحفلت كلمته بمصطلحات مثل «الدولة الإسرائيلية» و«القدس الشرقية» و«السلام»، ما دفع بالنائب الأردني طارق خوري إلى الوقوف والاعتراض على الكلمة في القاعة.
وفيما تولّت رئيسة مجلس النواب البحريني فوزية زينل ورئيسة المجلس الوطني الاتحادي الإماراتي أمل القبيسي الهجوم على إيران واتهامها بدعم الإرهاب وتخريب الإقليم، وتكرار المواقف الرسمية من المسألة الفلسطينية حول القدس الشرقية و«الاستفزازات الإسرائيلية»! شنّ رئيس البرلمان الكويتي هجوماً لاذعاً على التطبيع مع العدو الإسرائيلي، قائلاً: «لا للتطبيع مع محتل غاصب ومجرم، لا للتطبيع مع قتلة الأطفال ومغتصبي الأرض، لا للتطبيع لأنه العنوان الفاضح للاستسلام والخضوع، لا للتطبيع لأننا لا نريد أن يلعننا التاريخ».
وقال الغانم لـ«الأخبار» إن «البيان الختامي غداً (اليوم) سيتضمن موقفاً واضحاً لجهة التأكيد على رفض التطبيع ودعم المقاطعة كترجمة عمليّة للمواقف»، وأشار رداً على سؤالٍ حول عودة سوريا إلى الجامعة العربية أن «البرلمانات العربية ترحّب بالأمر، وهناك إجماع هنا على هذا الأمر، والأمور متوقّفة على إجماع الحكومات، لكن إن شاء الله خيراً».

الحلبوسي دعا الصبّاغ للمشاركة في مؤتمر برلمانات جوار العراق


وللمفارقة، أن كلّ الصّراخ الخليجي ضد إيران، والذي خرج عن إجماع المؤتمر بالالتزام بالحديث عن القدس وفلسطين، لم يقابله أي موقف ضدّ العدوان التركي المستمر على سوريا والأراضي العربية في شمال سوريا والعراق! وكذلك الأمر بالنسبة للمفارقة التي سجّلها رئيس مجلس الشورى القطري أحمد بن عبد الله، بهجومه اللفظي على العدو الإسرائيلي ثمّ دعوته لمفاوضات جديدة للسلام! وبدا لافتاً، إحجام رئيس مجلس الشورى السعودي عبد الله بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ عن إلقاء كلمته واكتفى بتوزيع كلمته مطبوعة على الوفود، من غير أن تتضمّن موقفاً واحداً يتمايز عن الموقف السعودي الرسمي، لا سيّما بعد اجتماع وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية عادل الجبير مع نتنياهو في وارسو. ولا يمكن إغفال ظهور «موضة خليجية» من خلال كلمات رؤساء البرلمانات، تطالب بحماية دوليّة للفلسطينيين، وكأن الحماية الدولية ردّت أرضاً في الماضي إلى شعب أو حمت شعباً فعلاً، وكأن الدول ذاتها التي يطالبها العرب بحماية الفلسطينيين وقفت يوماً إلى جانب قضاياهم ضد مصالح الكيان الصهيوني.

بري وصبّاغ: المقاومة هي الحلّ
على عكس المواقف العربية المترهلّة والمتناقضة، حسم الصبّاغ وبرّي في مطالعتين طويلتين، رؤية لبنان وسوريا في ما خصّ مدينة القدس، فأكّدا أن «المقاومة أوّلاً». وبعد استفاضة في الحديث عن الانتهاكات الصهيونية واستخدام برّي مصطلح «قطعان المستوطنين»، أكّد أن الحل هو «المقاومة ثم المقاومة ثم المقاومة، أولاً وثانياً وثالثاً وأحد عشر كوكباً». فيما شرح صبّاغ كيف واجهت سوريا الجماعات الإرهابية المسلحة، أكّد أن «التجربة أثبتت أنه لا بديل من المقاومة بجميع أشكالها في مواجهة السرطان الخطير (إسرائيل)».



بري وعبد الله: لنتبادل الماء والكهرباء


تناول الملك عبد الله الثاني والرئيس نبيه برّي الهموم المشتركة للبلدين لا سيّما في مسألة النزوح السوري وضرورة مواجهة محاولات توطينهم في الأردن ولبنان. وجرى الحديث عن أن الأردن بإمكانه تزويد لبنان من فائض الكهرباء وأن في استطاعته بالمقابل الاستفادة من فائض المياه العذبة اللبنانية. اللقاء الذي شاركت فيه السفيرة اللبنانية في عمان تريسي شمعون، تناول أيضاً ضرورة تفعيل العمل بخط الترانزيت بين لبنان والأردن عبر سوريا ومعبر نصيب الحدودي، كما وضع بري الملك عبد الله في تفاصيل ملفّ الحدود البحرية اللبنانية مع فلسطين المحتلة، ووعد عبد الله بطرح هذا الملفّ خلال زيارته المقبلة إلى واشنطن.


دعم «BDS» ورفض صفقة القرن
رفعت اللجنة السياسية المنبثقة من مؤتمر الاتحاد البرلماني العربي في عمان، توصيات لرؤساء الوفود لكي يتضمنها البيان الختامي. وفي حال اعتمادها، فإنها ستكون المرة الأولى التي تتبنى جهة عربية رسمية جامعة رفضاً واضحاً لما يسمّى بـ«صفقة القرن». إذ نصت المادة الأولى على رفض المبادرات التي لا تحقق حقوق الشعب الفلسطيني، وعلى رأسها «صفقة القرن»، ودعت المواد الأخرى إلى إدانة الاعتداءات على المسجد الأقصى والثالثة إلى وقف قرصنة الكيان الصهيوني لأموال الشعب الفلسطيني، ووضع خطة عمل لطرد الكنيست الإسرائيلي من الاتحاد البرلماني الدولي. ولعلّ أبرز النقاط هي البند الثامن الذي يدعو إلى تفعيل المقاطعة العربية للاحتلال الإسرائيلي ومساندة حركة المقاطعة العالمية «BDS».