قرّر مجلس شورى الدولة بالإجماع، من دون أي تعليل أو تفسير، ردّ مراجعة إبطال تقدّم بها مدير عام شركة «تاتش» السابق وسيم منصور، لوقف تنفيذ القرارين 418/1 و419/1 الصادرين عن وزير الاتصالات السابق جمال الجرّاح يوم 31/12/2018، والقاضيين بتجديد عقود شركتي «أوراسكوم» و«زين» لتشغيل شبكتيْ الخليوي في لبنان، إلى حين صدور قرار نهائي بإبطالهما، خصوصاً أن قراري الوزير الجرّاح تضمّنا بنوداً ألغى بموجبها كامل صلاحيات الشركتين، وحصرها بالوزير وحده، فضلاً عن إلغاء مسؤوليات الإشراف التي أعطاها القانون لهيئة مالكي قطاع الخليوي، في تجاوز واضح لحدود السلطة الممنوحة له، إذ لم يعد الوزير الجرّاح إلى مجلس الوزراء، أي الجهة التي أبرمت هذه العقود، في الأساس، وكلّفت الشركتين («زين» و«أوراسكوم») بتشغيل شبكتيْ الخليوي المملوكتين من الدولة اللبنانية («ميك 1» واسمها التجاري «ألفا»، و«ميك 2» واسمها التجاري «تاتش»).

مجلس شورى الدولة المُفترض أنه المحكمة العليا التي تقف على تماس مباشر مع السلطة السياسية وممارساتها في الإدارات العامّة، وتطلق أحكامها وفق المبادئ الأساسية التي تسهم في سير هذه الإدارات وتحفظ مصالح المواطنين، وأبرزها مبدأ الحماية الدستورية للأملاك العامّة، تجاهل كلّ الأسباب الموجبة المبيّنة في مراجعة الإبطال، وأتى قراره متماهياً مع طلب وزارة الاتصالات، ممثّلة بهيئة القضايا في وزارة العدل، بردّ طلب وقف التنفيذ. واكتفى بالإشارة إلى أنه «لا يتبيّن من ملف المراجعة أن التنفيذ (تنفيذ قراري الجرّاح) قد يُلحق بالمستدعي ضرراً بليغاً، أو أن المراجعة ترتكز إلى أسباب جدّية ومهمّة»، مانحاً بالتالي وزير الاتصالات (السابق والحالي) غطاءً لم يحصل عليه من مجلس الوزراء، لصرف وإنفاق المال العام من دون أي رقيب أو حسيب، ومكرّساً ما يُشبه العرف في الممارسة لأي وزير لاحق.
يردّ رئيس مجلس شورى الدولة القاضي هنري الخوري، في اتصال مع «الأخبار»، على تجاهل القرار الصادر عنه لكلّ الأسباب الموجبة المُبيّنة في مراجعة الإبطال وتدفع إلى وقف تنفيذ القرارين، وتبنّيه موقف وزارة الاتصالات، مشيراً إلى أن «القرار (أي عدم وقف تنفيذ القرارين) هو مجرّد قرار أولي، والدعوى مستمرّة (لإبطال القرارين أو الإبقاء عليهما)، خصوصاً أن هناك الكثير من المستندات التي لم تبرز واللوائح التي لم تقدّم بعد». ويتابع الخوري: «لقد أصدرت القرار بالتزامن مع اليوم الأخير لي في مجلس الشورى قبل تقاعدي، وبالتالي أتقاعد عن الكلام أيضاً! هذا هو القرار الصادر، ولا يمكنني الحديث إعلامياً عن سير العمل في الغرفة الناظرة في الدعوى، وخصوصاً في ملف كبير وشائك كالملف الحاضر».
يستعرض مجلس الشورى في قراره نحو 15 سبباً وارداً في مراجعة الإبطال، وعلى رغم خطورتها وما تنطوي عليه من وقائع هدر في المال العام وشبهات ارتكابات مالية، إلّا أنه يتجاهلها بالكامل. وأبرزها:
1- مخالفة قراري الجرّاح القوانين المرعية، لا سيّما القانونين 393 و431 اللذين يفوّضان الحكومة حقّ منح رخص تقديم الهاتف الخليوي. ومخالفة رأي صادر عن هيئة التشريع والاستشارات يحصر صلاحية وزير الاتصالات عند انتهاء عقود شركتي تشغيل شبكتي الخليوي، بتوجيه كتاب إلى مجلس الوزراء ليتخذ القرار الذي يراه مناسباً.
2- تعديل الوزير عقود شركتي تشغيل شبكتي الخليوي منفرداً، واشتراطه حصول الشركتين على موافقته المسبقة والخطّية في كلّ القرارات المتعلّقة بالاستثمارات والمصاريف التشغيلية والرواتب والمكافآت والترقيات والتوظيف. وهو ما ينطوي، أولاً، على نسف لكلّ الأدوار التي أجازتها العقود المبرمة للشركتين المشغّلتين، ولكن مع إبقاء تلقيهما الأتعاب نفسها والمقدّرة بنحو 20 مليون دولار سنوياً من دون أي عمل فعلي، وثانياً، على وضع ثالث أكبر مصدر لإيرادات الدولة بيد وزير الاتصالات منفرداً، لا وزارة الاتصالات حتى، وخارج أي إطار رقابي أو مساءلة، مع ما يتبع ذلك، بحكم الممارسات السابقة، من تمويل للإنفاق السياسي والمحسوبيات والامتيازات.
3- إلغاء صلاحية هيئة مالكي قطاع الخليوي (OSB) المتعلّقة بإلزامية إطلاعها على مشاريع العقود الجديدة التي تبرمها الشركتان وتزيد قيمتها على 50 ألف دولار، فضلاً عن العقود القديمة المُراد تعديلها أو تمديدها، وذلك بغية تقويم هذه العقود والحصول على موافقتها المُسبقة والخطّية أو رفضها خلال 15 يوماً، مع اعتبار عدم إبداء الرأي فيها كأنه موافقة ضمنية على المشاريع، مع ما يعنيه ذلك من تحويل الموافقة على كلّ المشاريع أو رفضها من دون تحديد أي مهلة زمنيّة إلى الوزير فقط، وبالتالي تمييع أو تسيير أي مشروع وفقاً لرأي الوزير منفرداً.
4- وجود شبهات ارتكابات مالية في شركة «زين»، مشغّلة شبكة «تاتش» (أو ميك 2) المملوكة من الدولة، وهي موضوع تحقيق أمام النيابة العامة لدى ديوان المحاسبة، وعدم وجود شركة «أوراسكوم» مشغّلة شبكة «ألفا» أو (ميك 1) المملوكة من الدولة أيضاً، سوى في لبنان وكوريا الشمالية. وهو ما يطرح أسئلة جدّية عن جدوى التعامل مع الشركة نفسها، وعن أسباب سكوت هاتين الشركتين وقبولها بنزع صلاحياتها.
في المقابل، يورد مجلس الشورى اللائحة الجوابية المُقدّمة من وزارة الاتصالات، ممثّلة بهيئة القضايا في وزارة العدل، والتي تتضمّن التباسات كثيرة، لا سيّما في تحديد مصلحة المستدعي من تقديم مراجعة الإبطال باعتباره صاحب سهم في شركة «ميك 2»، والخلط الواضح بين الشركتين المشغّلتين لشبكتي الخليوي (أي «زين» و«أوراسكوم»)، مع «ألفا» و«تاتش» (وهما ليستا إلّا الاسمين التجاريين لـ«ميك 1» و«ميك 2» أي لشبكتي الخليوي المملوكتين من الدولة اللبنانية). وعلى رغم ذلك، يتبنّى مجلس الشورى طلب هيئة القضايا بردّ مراجعة إبطال القرارين المطعون فيهما. وتورد هيئة القضايا أن:
«1- لا ضرر لاحقاً بالمستدعي من تمديد عقدي الشركتين المشغّلتين (أي «زين» و«أوراسكوم»)، بل على العكس، فإن التمديد ينعكس إيجاباً على الشركة المُساهم هو فيها (باعتباره صاحب سهم في شركة «ميك 2»)، ومن البديهي أن استمرار عملها (أي «زين») ينعكس لمصلحة مساهميها عبر زيادة قيمة أسهمهم وتوزيع أنصبة الأرباح.

يظهر في ردّ وزارة الاتصالات خلط بين الشركتين المشغّلتين لشبكتي الخليوي والشركتين المالكتين لهما والمملوكتين بدورهما من الدولة اللبنانية


2- وجوب ردّ المراجعة في الأساس لأن تمديد عقود الشركتين المشغّلتين صدر في اليوم الذي تنتهي فيه مدّة العقد السابق، من دون أن يكون مجلس الوزراء قد حدّد كيفية انتقال الإدارة وآليته، وبالتالي تلافياً للفراغ وضرورة استمرار المرفق العام وحسن تسييره صدر القراران المطعون فيهما، بهدف تأمين المصحلة العامّة وعلى رغم صدوره عن سلطة غير صالحة».
في البند الأول، يظهر الالتباس والخلط بين الشركتين المشغّلتين للشبكتين اللتين تتعاقد معهما الدولة اللبنانية، والشركتين المالكتين للشبكتين والمملوكتين بدورهما من الدولة اللبنانية! وبالتالي إن استمرار عمل «زين» و«أوراسكوم» بعد نزع كامل صلاحياتهما وتحويلها إلى وزير الاتصالات، مع استمرار تقاضيهما مبلغاً سنوياً يبلغ نحو 20 مليون دولار، هو حكماً ضرر على شركتي «ميك 1» و«ميك 2»، وإنفاق غير مُبرّر، بحيث يحوّل قسم من الإيرادات المُحقّقة في قطاع الخليوي، والمفترض تحويله إلى الخزينة، إلى شركتي التشغيل من دون قيامهما بأي عمل.
أما مضمون البند الثاني من ردّ وزارة الاتصالات عبر هيئة القضايا، فيعدُّ تجاهلاً لشروط العقود المُمدّدة نفسها، والتي تنصّ على أنه عند انتهاء مدّة العقود، يجب على الشركتين المُشغّلتين إمداد الدولة اللبنانية بكل المعلومات والمساعدة التقنية لمدّة 60 يوماً بعد انتهاء العقد، وهو ما يدحض حجّة تعطيل المرفق العام، فضلاً عن أن حجّة عدم وجود الطاقة البشرية والتقنية الكافية لإدارة الشبكتين، واللتين يعمل فيهما حالياً نحو 1600 موظّف وفقاً لوزارة الاتصالات، تناقض الواقع، خصوصاً أن كل العاملين في شبكتي «تاتش» و«ألفا» (أو شركتي «ميك 1» و«ميك 2»)، هم موظّفون لبنانيون لدى شركتين مملوكتين من الدولة اللبنانية ويتقاضون رواتبهم من إيرادات قطاع الخليوي الذي تمسك به وزارة الاتصالات، في حين أن عدد موظّفي شركتي تشغيل الشبكتين هو 6 فقط (4 موظّفين في «أوراسكوم» وموظفان في «زين»). كما أنه سبق لوزارة الاتصالات في عهد الوزير جبران باسيل أن أدارت شبكة «ميك 1» لنحو سنة، بعد انتهاء عقد شركة «فال ديتي» عام 2008، وحتى إجراء مناقصة عام 2009 وفوز شركة «أوراسكوم».