جمع الكاردينال بشارة الراعي، في بكركي أمس، رؤساء الكتل النيابية والأحزاب والنواب الموارنة، من أجل التباحث في «توحيد الرأي حول كيفية الخروج من حالة الخطر السياسي والاقتصادي والمالي، وحول مفاهيم ذات طابع دستوري من مثل: الدولة المدنية، وإلغاء الطائفية السياسية، واللامركزية، وحياد لبنان، والثلث المعطِّل، والائتلاف الحكومي وارتباطه بقانون الانتخابات الجديد». أراد البطريرك أن يظهر بصورة القادر على «جمع» كلّ المسؤولين الموارنة تحت عباءته، بمعزلٍ عن خلافاتهم وتناقضاتهم، حتى يخرجوا بموقفٍ موحّد من قضايا عديدة. إلا أنّ الكلام داخل القاعة، وتحديداً بين تيار المردة والتيار الوطني الحرّ، وما عَمد التيار العوني لاحقاً إلى تعميمه، من موقف هجومي ضدّ النائب السابق سليمان فرنجية، كان بمثابة سهمٍ موجّه إلى صلب اللقاء التشاوري «الروحي»، أدّى إلى تعميق الخلافات في وجهات النظر بين «الأقطاب» عوض التخفيف منها. أيضاً، كان يُفترض بكلمة البطريرك قبل انطلاق الجلسة، أن تُمثّل خريطة الطريق للمجتمعين، وتحديد تصوّر عملي لكلّ العناوين. لكنّ البيان الختامي الذي صدر عن اللقاء، تناول الأمور بسطحية، وعكس نقاشاً «عمومياً»، مع إعادة التذكير بنقاط يكاد يكون هناك إجماع على تكرارها بين معظم القوى السياسية: «التعلّق بالوحدة الوطنية وبالميثاق الوطني، التمسك باستقلالية القرار الوطني، تطبيق الدستور، حضور المسيحيين ودورهم الفاعل فيه هي شروط لاستمرار «لبنان الرسالة»، الدعوة إلى الإسراع في تشكيل حكومة وفق الدستور وآلياته، التنديد بالانتهاكات الإسرائيلية المتكررة، دعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية، تأمين عودة النازحين السوريين إلى أرضهم بأسرع وقت، التعاطي بمسؤولية بالشأنين الاقتصادي والمالي»... أما مكمن الأزمة الحالية، أي عدم تأليف الحكومة والاختلاف على الحصص فيها، التي بناءً عليها قرّر الراعي توجيه دعوته إلى «السياسيين الموارنة»، وغيرها من المسائل الخلافية، رُحّلت إلى لجنة المتابعة المُنبثقة من اللقاء.

تناوب النواب، داخل القاعة في بكركي، على الكلام. الأكثرية لجأت إلى توصيف الوضع، فيما اختار آخرون الحديث عن وضع النظام وتطبيق اتفاق الطائف والمشاكل الاقتصادية. إلا أنّ المداخلة الأبرز، والأكثر مباشرة في التصويب على المشكلة الحكومية، كانت لسليمان فرنجية. قدّم قراءة شاملة للوضع، وقال إنّ أي إصلاح أو تطوير سيكون بحاجة إلى تشكيل حكومة، مؤكداً أنّه «إذا كان حضورنا لدعم رئيس الجمهورية بحصول على الثلث المُعطّل، فنحن ضدّ». من وجهة نظر تيار المردة، إنّ «الحصول على الثلث هدفه إقصاء القوى المسيحية الأخرى، وللحصول على كلّ التعيينات في الدولة. أنت تطلب الثلث لتذبحنا به». وأضاف فرنجية أنّ الحكومة لن تتشكّل ما دام هناك عناد في البلد، «حزب الله لن يقبل إلا بتمثيل نواب اللقاء التشاوري، والتيار الوطني الحرّ لن يقبل بالتنازل عن المقاعد الـ11. تخلوا عن وزير، تتألف الحكومة غداً». وانتقد فرنجية حصول رئيس الجمهورية على كتلة وزارية، مُعتبراً أنّه «كلنا كتلة الرئيس، شرط أن تُشركونا في القرار. ونحن معكم إذا كنتم أنتم معنا، وخذوا حينها ثلثين وليس ثلثاً واحداً. ولكن من خلال تشكيل الحكومة تسعون لتنفيذ طموحات شخصية ورئاسية». أتى الردّ على فرنجية من الوزير جبران باسيل، بنفي وجود طموحات شخصية خلف تشكيل الحكومة، وبتأكيد أنّ العرف يُعطي رئيس الجمهورية 4 أو 5 وزراء تبعاً لحجم الحكومة. وأعاد التذكير بأنّ الهدف من التمسّك بالثلث الضامن «تحسين شروط أي رئيس جمهورية سيأتي. إذا لم نُعانِد (المسيحيين) لا نقدر أن نُحسّن وضعنا. لماذا لا يأتي الاعتراض علينا إلا من فريق مسيحي؟».
يقول أحد نواب «التيار» لـ«الأخبار»، إنّه «يبدو أنّ الهدف لرئيس تيار المردة كان فقط طرح موضوع الحكومة». وعمّم التيار الوطني الحرّ ليلاً، عبر موقعه الإلكتروني، موقفاً هجومياً ضّد فرنجية، نقلاً عن «مصادر متابعة»، فوصف كلام الوزير السابق بأنّه «تضمّن تناقضات واستفزازات، وأظهر بوضوح رغبته في تفشيل اجتماع بكركي والإيحاء بأنّ اللقاء لا يدعم الرئيس عون. وأوحى بوجود عقدة شخصية لديه تجاه الرئيس والوزير باسيل، ونية سيئة تجاه اجتماع بكركي؛ حتى إنّ النائب في كتلته فريد الخازن طالب بعدم صدور بيان رسمي عن الاجتماع». واستخدم «التيار» الورقة الطائفية للردّ على فرنجية، فجاء في الخبر أنّه «ظهر فرنجية وكأنه يتنازل عن حقوق المسيحيين فقط للوصول إلى منصب الرئاسة كما كان المسترئسون يفعلون في الحقبة السورية».

التزم باسيل عدم تعيين إلا أصحاب الاختصاص في الحقائب الوزارية


لم يكن منطق القوات اللبنانية بعيداً عن منطق فرنجية، إلا أنّ أسلوب التعبير عنه اختلف. عبّر نوابها عن «دعم بناء الدولة والمؤسسات»، مؤيدين «أن تتألف الحكومة إن كان بوزير بالزائد أو وزير بالناقص». يوضح أحد نواب «القوات» لـ«الأخبار» أنّه «حاولنا قدر الإمكان حرف النقاش عن البحث في مشاكل آنية، لوضع خطة استراتيجية لـ30 أو 40 سنة». من جهته، قال النائب سامي الجميّل إنّ «كلّ التجاوزات للمؤسسات والمفاهيم هي نتيجة وجود السلاح. وعدنا الناس ببناء دولة، فتخلينا عن ذلك لنصل إلى السلطة. وصلنا إلى السلطة، فخسرنا مشروع الدولة ولم نعد قادرين على ممارسة السلطة». وجدّد المطالبة بتأليف حكومة اختصاصيين، فردّ عليه باسيل بالتزام عدم تعيين إلا أصحاب الاختصاص في الحقائب الوزارية. ولكنّ الكتائب تعتبر أنّ هذا تحريف للمطلوب، لأنّ «الهدف الأساسي وقف منطق المحاصصة».
خلاصة «اللقاء الروحي» الوحيدة هي الاتفاق على جعل اللقاءات دورية، وعلى إنشاء لجنة متابعة من أجل البحث بالمسائل الخلافية. على الرغم من ذلك، يُصرّ معظم النواب المُشاركين في اجتماع بكركي، على «إيجابيته»، وأنّه كان مُناسبةً حتّى يتحدث فيها كلّ طرف بصراحة عن وجهة نظره، «تبقى العبرة بمدى القدرة على المتابعة في المستقبل، وأن لا يكون مصير اللقاء كغيره من الاجتماعات السابقة». ويقول أحد نواب التيار الوطني الحرّ إنّه «ليس مطلوباً من بكركي أكثر ممّا قامت به: تأكيد الثوابت، وجمع النواب الموارنة على مفهوم الدولة والدستور وعدم فتح باب تغيير النظام». وردّاً على سؤال، يقول إنّ النقطة الأخيرة غير موجهة ضدّ أحد، «بل إلى كلّ من يطرح أموراً من خارج الآليات الدستورية البرلمانية، حتى ولو كنا نحن».