خلافاً للعقدتين الدرزية والمسيحية، حينما كان على الرئيس المكلف سعد الحريري اقتراح حلول لتجاوزهما، وبدوتا تستهدفانه جراء حؤولهما دون ابصار حكومته النور، يبدو في العقدة السنّية الحالية انه ابوها الاول.

في العقدتين الدرزية والمسيحية اجرى اكثر من مرة مشاورات، جولة تلو اخرى، قبل ان يسافر الى الخارج وبعد ان يعود، من اجل التوصّل الى مخارج. طرح ابانها اقتراحات، واستمع الى سواها من محاوريه الطرفين المعنيين بالعقدتين وأخصامهما، وتوسّط كذلك لدى رئيس الجمهورية ميشال عون للمساعدة. في العقدة السنّية اوصد الابواب تماماً كأنها بلا حل. او كأن لا عقدة سنّية ابداً. او ايضاً كأنه لم يعد يستعجل تأليف الحكومة، على وفرة قرعه اجراس الخطر على الاقتصاد والوعود الدولية.
مع ان المعطيات الرائجة تحدثت عن صيغ محتملة، بعضها انبثق من مكوكية وزير الخارجية جبران باسيل في الاسبوعين المنصرمين على معظم الافرقاء المعنيين مباشرة او على نحو غير مباشر، وطرحه اقتراحاً سارع الحريري الى رفضه، الا ان واقع الحال مغلق فعلاً من دون اي فرصة لتسوية، الا ما اثاره الرئيس المكلف مع رئيس الجمهورية، وهو موافقته على اجراء مقايضة مقعد سنّي يذهب الى الرئيس في مقابل حصوله هو على مقعد مسيحي في حصته. المهم في هذا العرض الشرط المزدوج الملحق به، وهو ان لا يكون الوزير السنّي ــــ وإن في حصة رئيس الجمهورية ــــ احد النواب السنّة الستة، وأن لا يُوزّر احد يمثلهم او يدور في فلكهم. تسبّب هذا الشرط بإحراج لرئيس الجمهورية، وأفقده هامش تحرّك كان يراهن عليه لإيجاد مخرج للازمة الحكومية.
ما بات عليه مأزق التأليف بضع ملاحظات:
اولاها، من غير المستبعد ان يطول وقتاً اضافياً، قد يكون طويلاً، يتجاوز ذكرى الاستقلال الى ما بعد رأس السنة الجديدة. البعض المطلع يتحدث عن «اسابيع واسابيع»»، ولا يسقط احتمال انتظار شباط حتى.
ثانيها، في ضوء لاءاته القاطعة في مؤتمره الصحافي في 13 تشرين الثاني، يتصرّف الرئيس المكلف على ان المبادرة باتت بين يديه هو بالذات. في الاشهر المنصرمة، ابان العقدتين الدرزية والمسيحية، كان المحيطون بالحريري ــــ ناهيك بقيادات سنّية ــــ يحمّلون رئيس الجمهورية مسؤولية عرقلة تأليف الحكومة بامتناعه عن توقيع مرسومها، بسبب رفضه الاقتراحات المتداولة لهاتين العقدتين، لاسيما منها المسيحية. اظهر هؤلاء الرئيس المكلف في المقابل على انه «ضحية» التوقيع الشريك لرئيس الجمهورية، الى حد مغالاتهم، والقول ان ثمة افتئاتاً على صلاحيات رئيس مجلس الوزراء وانتقاصاً منها، مع ان لا رئيس لمجلس الوزراء بعد، بل رئيس مكلف ليس الا.

لم يسأل الرئيس المكلف هذه المرة ماذا كان فعل والده لو كان محله؟


في العقدة السنّية ذهب الحريري الى ابعد بكثير من موقف عون من العقدة المسيحية. لم يرفض رئيس الجمهورية اقتراحات الحلول آنذاك وإن لم ترضه، ووجدها غير كافية، الا انه ابقى الابواب مفتوحة. لم يتأخر بعد طول امتناع في التخلي عن نيابة رئاسة الحكومة لحزب القوات اللبنانية في سبيل استعجال تأليف الحكومة. كان ذلك موقفه ايضاً بازاء العقدة الدرزية التي لم تفضِ الى خسارة للنائب السابق وليد جنبلاط، ولم تؤول حتماً الى ربح خصومه. في حال العقدة السنّية يقف الحريري سداً منيعاً في وجه اي اقتراحات تُعرض عليه، ويعلّق موافقته على توقيع مرسوم الحكومة الجديدة على استجابة شرطه المزدوج، وهو ابعاد النواب السنّة الستة ومَن يدور في فلكهم عن مقاعد حكومته.
على طرف نقيض من كل الاتهامات التي سيقت الى عون، وفي بعض الاحيان الى باسيل في الاشهر الاخيرة، يتصرّف الحريري الآن على ان توقيعه هو المرسوم يجعل الحكومة تبصر النور. والواضح انه اثقل هذا الموقف عندما قال في مؤتمره الصحافي الاخير انه هو «ابو السنّة». عبارة لم يسبقه اليها احد من اسلافه، ولم يجرؤ على زعمها القدامى منهم والجدد. لم يفكّر فيها والده الراحل الرئيس رفيق الحريري حتى، بما في ذلك عندما خاض الانتخابات النيابية الاكثر شراسة عام 2000 ضد الرئيسين اميل لحود وسليم الحص، وكان الثاني منافسه. تعمّد اسقاطه، مسجلاً سابقة ليس خسارة رئيس للحكومة انتخابات نيابية ترشح لها فحسب، بل هزمه بأصوات طائفته بالذات. مع ذلك خرج الحريري الاب من استحقاق 2000 على انه زعيم بيروت، من غير ان يدّعي انه الزعيم الاوحد للسنّة.
لعل المفارقة ان الحريري الابن قال اكثر من مرة، آخرها لدى اعلانه ترشيح عون لرئاسة الجمهورية في ايلول 2016، انه كلما وجد نفسه في مأزق سياسي كبير او ازمة صعبة يستنجد بخبرة والده عندما يسأل نفسه: ماذا كان فعل لو كان محله؟