يتزايد الإنهيار والتدهور في مؤسسات الدولة بفعل فساد السلطة السياسية، وتتفشى ظاهرة التعاقد الوظيفي، السياسي والعشوائي، في الادارة، وتتصاعد رائحة المحاصصات والتقاسم السياسي لوظائف الدولة، من دون مراعاة أدنى المعايير التي تقوم عليها الوظيفة العامة. آخر هذه الفضائح إعلان وزارة الخارجية والمغتربين (20/12/2017) عن تنظيم امتحان للتعاقد مع ملحقين اقتصاديين لدى البعثات الدبلوماسية، ثم إعلانها نتائج هذه الامتحانات في 21/5/2018.

في القوانين الراعية لمبدأ التعاقد الوظيفي، نص المرسوم الإشتراعي 112 (12/6/1959) تحت الفصل الرابع «المتعاقدون»، على أن «الوزير يتعاقد مع لبنانيين أو أجانب لمدة محدّدة للقيام بعمل معين يتطلب معارف ومؤهلات خاصة، ضمن حدود الإعتمادات المخصصة لهذه الغاية في الموازنة(...)». ونصّت الفقرات 1 و2 و3 من المادة الثامنة من المرسوم 10183(2 أيار 1997) حول أصول التعاقد وأحكامه على أن «تضع الإدارة الراغبة في التعاقد بياناً يحدد حاجتها إلى هذا التعاقد والتعويضات المنوي تخصيصها لكل صفة تعاقدية، ويحال طلب التعاقد (...) إلى مجلس الخدمة المدنية (...)». ونص المرسوم نفسه في المادة 6 على أن «يتم التعاقد على أساس مباراة يجريها مجلس الخدمة المدنية». وبتاريخ 9 حزيران 2000، صدر المرسوم رقم 3194 معدلاً المرسوم 10183 فأضاف الى مادته الثانية فقرة جديدة «تحدد المعارف والمؤهلات الخاصة الواردة في الفقرة 3 من هذه المادة بقرار من هيئة مجلس الخدمة المدنية بعد استطلاع رأي الادارة طالبة التعاقد(...)».
مما لا شك فيه أن المشترع اراد، صراحة ومن دون اجتهادات، إسناد الدور الرئيسي لمجلس الخدمة المدنية للقيام بأي تعاقد وظيفي، مستنداً في ذلك الى المعايير العلمية والموضوعية والمرتكزة على الشفافية والكفاءة والإبتعاد عن التحاصص السياسي.
وبالعودة الى موضوع التعاقد مع الملحقيين الاقتصاديين، كمثال عن التعاقد الوظيفي العشوائي في كل ادارات الدولة، فقد ضربت وزارة الخارجية والمغتربين عرض الحائط بهذه القوانين والمراسيم، وقامت لجنة فاحصة رأسها الأمين العام للوزراة بتجاوز القوانين وتهميش دور مجلس الخدمة المدنية، بل إلغاء وجود هذه المؤسسة، ومنحت نفسها سلطات وصلاحيات للتعاقد مع مرشحين حسب ميولهم ومشاربهم السياسية والطائفية، ومن دون أي اعتبار لمعايير الكفاءة التي لا يمكن اكتشافها في مقابلة شفهية.
ومن اللزوم هنا أن نعود الى كلمة الرئيس السابق لمجلس الخدمة المدنية خالد قباني في المؤتمر العربي الأول للخدمة المدنية التي أشار فيها الى أنه «لم يزل التصرف في الإدارات والمؤسسات العامة من قبل بعض من يتولون المسؤولية وكأنها اقطاعات للطوائف أو للعشائر والأحزاب والقوى السياسية (...) بعيداً عن مفهوم الخدمة العامة والمصلحة العامة وما يتضمنه مفهوم المرفق العام من احترام لمبدأ المساواة بين المواطنين».
مع ذلك، لا يزال الرهان على مؤسسات الرقابة، وفي مقدمها مجلس الخدمة المدنية الذي يجب أن يبادر فوراً الى وقف هذه المهازل الإدارية وان يفرض دوره المركزي في التوظيف داخل الإدارة، من دون ضغوط سياسية، والتسلح بالشروط الأساسية التي فرضها المشترع لدخول القطاع العام سواء بالتعيين أو بالتعاقد، مما يحول دون قيام كل إدارة على حدة بإجراء مباراة خاصة بها واختيار موظفيها بمفردها. والمطلوب فوراً، من مجلس الخدمة المدنية، رد كل ما أقدمت عليه وزارة الخارجية والمغتربين، تحت طائلة فقدان الثقة بأخر حجر صامد في المؤسسات الادارية، وحينها سنكون أمام الانهيار المحتم للادارة اللبنانية.