منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لم يشهد لبنان، نفوذاً هائلاً لشخصية تتمتع بقدرات مالية هائلة كما هي الحال اليوم، مع رئيس مجلس إدارة سوسيته جنرال أنطون صحناوي ووالده رجل الأعمال نبيل الصحناوي. وهذا النفوذ يلامس حدود امتناع غالبية ساحقة من السياسيين ورجال السياسة والدولة ووسائل الإعلام والإعلاميين، ورجال الأعمال، عن إثارة أي موضوع يتصل بالصحناوي الأب والابن.

منذ وقت يعود إلى حزيران الماضي، تتابع شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي بصورة خاصة ملفاً أمنياً بالغ الحساسية، يتعلق بمجموعة من القراصنة الذين تمكنوا من اقتحام داتا مؤسسات رسمية لبنانية، سياسية وإعلامية وأمنية وإدارية، إضافة إلى داتا مؤسسات تجارية وملفات شخصية تعود إلى مسؤولين وإعلاميين ورجال أعمال وسفارات ودبلوماسيين يعملون في لبنان.
وبعد تحقيقات سريعة، تم توقيف ثلاثة أبرزهم خليل صحناوي، المقرصن الشهير الذي ظهر في برامج تلفزيونية في وسائل إعلام عالمية كبرى، يتحدث عن نشاطه في مجال القرصنة. وهو الذي قيل، بعد توقيفه، إنه يهتم بجمع «البيانات المقرصَنة» لأسباب شخصية، ونتيجة قدراته العالية في هذا المجال. ويضيف المدافعون عنه إنه يقوم بالعمل لأغراض الترفيه والتسلية، كما قال في التحقيقات التي أجريت معه. وتبين أنه كان على صلة بالمقرصنين الموقوفين، وبآخرين غادروا لبنان قبل توقيفهم، ومقرصنين يعملون في عدة عواصم من العالم. وبعدما وضعت شعبة المعلومات يدها على ملفات ومضبوطات، أمكن التعرف إلى بعض المواد المقرصنة. لكن هناك ملفات كثيرة لا تزال مقفلة أمام تقنيي شعبة المعلومات، ويرفض صحناوي فتحها متذرعاً بأنه نسي كلمات المرور الخاصة بها. وكرر خليل الصحناوي في كل جلسات التحقيق معه أنه يقوم بالعمل بمفرده، واللافت أنه قال مراراً إنه لا يعمل لمصلحة أنطون صحناوي ولا والده نبيل.
عملياً، ما لم يرد في كل التعليقات والنقاشات التي طاولت الموضوع، أنه وفي الأيام الأولى لتوقيف خليل صحناوي (المرة الأولى قبل إطلاق سراحه) حصلت مداخلات مع الأمن والقضاء لمصلحته، لم تقتصر على أنطون ونبيل، بل شملت أيضاً «عدوهما العائلي اللدود» النائب نقولا صحناوي. وبرر الأخير كما أوساط قريبة منه الأمر بأنه مسعى له طابع مناصرة قريب، وأن خليل يعاني وضعاً صحياً وعصبياً قاسياً وأن اعتقاله قد يؤثر على صحته. كذلك شارك في التدخل لمصلحة خليل مقربون من التيار الوطني الحر. وعلى هامش هذه المداخلات، جرت الإشارة إلى أن التيار يهتم بالأمر من زاوية عمله على استمالة أنطون الصحناوي بعدما التصق الأخير كثيراً بالقوات اللبنانية، خصوصاً بعد انضمام النائب جان طالوزيان إلى كتلة القوات، علماً أنه خاض الانتخاب كمستقل في بيروت الأولى، قبل أن يتبين أنه كان وقّع، بعلم أنطون ووالده، اتفاقاً خطياً مع معراب يقضي بانضمامه إلى كتلتها في حال فوزه.

يفترض بمن يُظهر الحرص على هذا أو ذاك أن يدرك بأن الملف بات يتجاوز حدود ألعاب صبيانية


في هذه الأثناء، كانت شخصيات عامة تتولى التواصل مع عدد من النافذين في القوى الأمنية والحزبية والإعلامية والقضائية، سعياً إلى الحصول على دعم بقصد «تسخيف الملف من جهة، وعدم توقيف خليل صحناوي من جهة ثانية، وإلى الضغط أكثر لعدم تناول الموضوع إعلامياً». وهو أمر نجح في أمكنة كثيرة. لكن الذي حصل، هو أن تحقيقات شعبة المعلومات، إلى جانب معلومات جهات أمنية أخرى، أظهرت أن الأمر ليس مجرد هواية أو جنحة عادية وأن الأمر يتطلب تدخل السلطات اللبنانية المعنية لأجل محاسبة من يقف خلف عملية القرصنة الكبرى هذه، إضافة إلى ضرورة التحري أكثر عن هوية جهات أخرى مستفيدة من الاستيلاء على البيانات والمعلومات، خصوصاً أن عشرات ألوف الدولارات قد صرفت، وأن الملفات الخطيرة التي عثر عليها في الملفات (أعلن عن بعضها وبقي بعضها الآخر طي الكتمان) تعكس أمراً خطيراً للغاية.
ومع تطور الموقف، ولجوء القاضي أسعد بيرم إلى استجواب خليل وتوقيفه، جرت مداخلات لمنع توقيفه في سجن عادي، فتم - كما هي العادة في لبنان - إبراز أوراق تقول أنه يحتاج صحياً الوجود داخل مستشفى، وهو ما حصل، قبل أن يتم نقله إلى مركز التوقيف لدى شعبة المعلومات التي واصلت التحقيق معه، وحيث قال الرجل كلاماً واضحاً حول علاقته الشخصية بنبيل صحناوي وولده أنطون، «ناصحاً من يهمه الأمر» بعدم الضغط عليه أكثر، كاشفاً عن وشم على يده يعكس نوعية «علاقته الروحية بالصحناوي الأب والابن».
ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد. فقد واصل نبيل وأنطون صحناوي من خلال نافذين (نواب وسياسيين وقضاة وأمنيين وإعلاميين قد يجدر بنا نشر أسمائهم ولوائح اتصالاتهم في وقت ما) التواصل مع كل من يملك نفوذاً في البلاد، لتحقيق هدف من شقين: الأول تخلية سبيل خليل واعتبار ما قام به جنحة وإقفال الملف وعدم التوسع في التحقيق، والثاني منع التداول الإعلامي بالأمر. وقد وصل الأمر حد الطلب من النائب وليد جنبلاط نشر توضيحات لما صرح به لـ«الأخبار» قبل يومين وطاول ملف خليل الصحناوي.
وهؤلاء ساءهم أن القاضي بيرم لم يرضخ للضغوط، وأن «الأخبار» واصلت القيام بعملها المهني ونشر «بعض يسير» مما يتعلق بهذا الملف. فقرروا اعتماد وسيلة هجومية تقوم على الاستعانة بمواقع إلكترونية بعضها لبناني وبعضها خليجي، لأجل قول أشياء جديدة يمكن اختصارها بأمرين:
الأول: أن شعبة المعلومات لم تجد في ملف خليل صحناوي ما يستدعي توقيفه، وأن القاضي بيرم يبقي عليه في السجن تعسفياً ولأسباب سياسية.
الثاني: أن «الأخبار» تقوم بعملية ابتزاز لنبيل وأنطون صحناوي وأنها تريد مقابلاً مالياً (وصل البعض إلى تحديد رقم) لصمتها عن الملف.
وبما أن هذه المواقع الإلكترونية، ومن يقف خلفها، يريدون السير في هذا الطريق، ويحاولون الضغط من خلال هذه الحملة لمنع متابعة ملف خليل صحناوي، ولأن الأمر يمكن أن يتجاوز هذه الضغوط إلى أبعد من ذلك، نظراً إلى تجارب سابقة، فقد يكون من المفيد لفت انتباه من يدير هذه اللعبة إلى الآتي:
أولاً: إن إخفاء ما قام به خليل الصحناوي وإن تأخر لبعض الوقت، لن يكون حائلاً دون كشف كامل الملف، وبكل تفاصيله المقيتة (بما فيها الجانب المتصل بخصوصيات شخصيات كثيرة) متى وجب القيام بالأمر.
ثانياً: إن عدم الإقرار بمسؤولية هذا أو ذاك عن فعل الصحناوي، لن يطول أيضاً قبل الكشف عن تفاصيل تخص علاقة الرجل بمشغليه.
ثالثاً: إن أمر الضغط على قاضي التحقيق متروك لمجلس القضاء الأعلى ووزير العدل ورئيس الجمهورية، وحيث يضج قصر العدل بالأخبار والمعلومات حول ما يجري.
رابعاً: إن مواصلة الشخصيات النيابية والإعلامية العاملة مع الصحناوي ممارسة هذا النوع من الضغط واتهام «الأخبار» بالابتزاز، سوف يضطرنا إلى الحديث صراحة عن الكثير من الأمور المتعلقة باتصالات هؤلاء.
أخيراً، كان يفترض بمن يظهر الحرص على هذا أو ذاك أن يدرك بأن الملف بات يتجاوز حدود ألعاب صبيانية، وهناك ما يساعد على إعادة رسم اللوحة كاملة، من العودة إلى أرشيف العام 1982 وما قبله وما تلاه، وما شهدته تلك المرحلة من أنشطة واكبت مساعي العدو الإسرائيلي - بمساعدة لبنانيين - إلى تحقيق «الصلح والسلام الكاملين» مع لبنان، وصولاً إلى ملف إقفال البنك اللبناني - الكندي، ولوائح الحسابات التي تخضع لرقابة بطلب من الولايات المتحدة الأميركية، إلى ملف الهندسات المالية والعمولات المصاحبة، وصولاً إلى الصندوق المالي الكبير المخصص للسيطرة على جزء كبير من أسهم «سوليدير»... وكل ما يشرح للجمهور المساعي الكبيرة التي تعلو بكثير قامة من يقوم بها!
أما ما يخص «الأخبار» وحكاية الابتزاز، فلدينا روايتنا الموثقة، ونحن على استعداد لنشرها متى رفع الآخرون سقف التحدي... والسلام!