دولةَ الرئيس

بعد التحيّة والدعاء،
أُخاطبك بوصفي أحد أبناء مدينة بعلبك. المدينة التي لقيت في تاريخها البعيد والقريب من ضروب الإفقار والإهمال المقصود ما لم تلقَ مثله أيّ مدينةٍ غيرها من لبنان، على ما في المدينة، وفي سهل البقاع عموماً، من إمكاناتٍ تنمويّةٍ واستثماريّة (سياحيّةٍ خصوصاً). ما لو استُثمر، أو على الأقلّ ما تُرك ونفسه، لكان له أطيب الأثر على لبنان كلّه، وليس على المدينة وحدها أو على السهل الخصيب الذي تستقرّ فيه وحده.
بعلبك ــــ ياسيّدي ــــ هي المدينة الوحيدة في لبنان التي جرى تدميرها تدميراً منهجيّاً، شمل تقتيل أهلها وتهجيرهم، وتقطيع بساتينها، ونهب حواصلها، ومُصادرة قطعانها. وبقيت لمدّة غير قصيرة مهجورةً تماماً إلا من البعض القليل من أهلها، وذلك على يد فخر الدين المعني، الذي لا يزال يُقدَّم لأبنائنا في التاريخ الذي يُلقّنونه لهم ــــ ويا للمُفارقة ــــ بوصفه بطلاً، ويتصدّر تمثاله المُهيب مدخل وزارة الدفاع الوطني. وما يزال أثر هذه الجريمة الفظيعة العديمة المثال يتفاعل، بحيث لم تُشفَ منه بعلبك حتى اليوم.
بعلبك هي وحدها، بقدر ما أعرف، المدينة التي ضُربت منذ سنة 1964 بمُخطّطٍ توجيهي مدني، لم يُنفّذ ولن يُنفّذ. تأثيره الوحيد، بل وأقول الغرض الوحيد منه، هو إعاقة نموّها النموّ الصحيح، فيما توضَع المُخطّطات التوجيهيّة المدينيّة في بلاد الله ابتغاء ترشيد النمو العمراني. بعلبك القديمة اليوم عبارة عن رُكام من الأبنيّة، التي أُنشئت عشوائيّاً كما تنشأ الغابة، في وضعٍ يستحيل إصلاحه، أو تقديم الخدمات المدينيّة (طُرُقات، صرف صحّي... الخ) في ظلّه. وما يزال ذلك المُخطّط التوجيهي هو المعمول به، مع أن القانون ينصُّ على سقوط أي مُخطّط إذا لم يُنفّذ في مدّةٍ أقصاها خمس وعشرون سنة .
ماذا أقول بعد؟ هل أذكر وأُذكّر بأن كل عقارات سهل البقاع ما تزال حتى اليوم «أميريّة»، يعني أنّها ملك للسلطان العثماني. وإنما يتصرّف بها الناس بعد قرنٍ ونيّف من نهاية الامبراطورية العثمانيّة، بيعاً وشراءً وسكناً و...، وكأنما بإذن من السلطان بعد أن صارت عظامه رميماً!
حتى إذا نحن غادرنا بعلبك المدينة، ورمينا بنظرنا إلى مأساة سهل الهرمل، لرأينا العجب.
سهل الهرمل هو سلّة غذاء لبنان لو كان في لبنان مَن يسوسه حقاً وصدقاً. إنّه من عشرات آلاف الدونمات، المَرويّة سيحاً من نهر العاصي. كما أنه يتمتّع بطقسٍ يجعله بأمان من ضربات الصقيع . فضلاً ــــ وهذا امتيازٌ استثماريٌّ في غاية الأهميّة ــــ عن أن أشجار الفاكهة فيه تؤتي ثمارها مُبكّرة بشهر على الأقلّ، وبذلك تفوز بـ«رأس السوق». ومع ذلك فإنّه غير مُستثمَر إطلاقاً. لماذا؟ فقط لسببٍ وحيد، وهو أن عملية مسح الأراضي أيام الانتداب الفرنسي تجاهلت هذا السهل لأسبابٍ لا أظنّ أنها خفيّة على العارفين. واستمر الإهمال حتى اليوم. وبذلك باتت أراضي السهل الشاسعة الخصيبة مملوكة لآلاف الناس من دون أن يعرف أحدهم أين ملكه ليُبادر إلى استثماره.
لن أخوض في أُطروحة زراعة القنّب الهندي للأغراض الطبيّة باعتبارها بادرة تنمويّة. فنحن لنا كامل الثقة بأنّه لن يصحّ في النهاية سوى الصحيح. لكنّني أضع يدي على قلبي وأنا أتصور سهل البقاع مزرعة للمخدرات، لا أعرف ــــ ولا يعرف أحد ــــ كيف سيجري ضبط استعمالها للأغرض الطبيّة حصراً.
لذلك، وفي ظل الاهتمام بتصحيح ما سلف من السّلف، باتجاه تنمية محافظة بعلبك ــــ الهرمل، وفي هذا السبيل اقتُرحت زراعة القنّب الهندي، فإنّ اقلّ ما يجب عمله هو التالي:
أولاً، وبالدرجة الأولى حماية المزارعين من المنافسة الخارجيّة .
ثانياً، وضع مخطّط توجيهي جديد لمدينة بعلبك مع تقرير مدة انتقاليّة لتصحيح الوضع العقاري الشاذ الذي ترزح تحته المدينة.
ثالثاً، منح الأولويّة المطلقة فوراً لمسح وتجميل سهل الهرمل.
رابعاً، إلغاء صفة «أميري» عن عقارات سهل البقاع، بل عن لبنان كلّه، أُسوةً بعقارات جبل لبنان، حيث العقارات هناك كلّها «مِلْك».
على أنّ كلّ ذلك هو البداية، لأن التنمية كالصحّة، لاغنى لها عن الرعاية الدائمة.
* باحث ومؤرخ لبناني