ما يقوم به جو ساكو (1960) هو عمل فريد بكل معنى الكلمة، إذ يجمع الفنان المالطي ـــــ الأميركي بين عمله صحافياً وهوايته في رسم الكومكس. جديده عمل صحافي على شكل شرائط مصوّرة، يجمع بين الريبورتاج والتاريخ الشفهي والمذكرات والتحقيقات الميدانية. «غزة ـــــ تاريخ من النضال» هو عنوان الكتاب الأخير لساكو الذي صدر بالإنكليزية عام 2009. ترجم العمل إلى 14 لغة، ويدخل أخيراً إلى المكتبة العربية في طبعة صادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون» (تعريب توفيق البجيرمي). من النادر أن تهتمّ دار نشر عربيّة بإصدار كتب لها علاقة بالقصص أو الشرائط المصوّرة، أو الكومكس عموماً، بسبب اقتناع سائد بأن هذا الفنّ لا يزال بعيداً عن اهتمام القارئ العربي، بحسب مسؤول الإنتاج في الدار غسان شبارو. لكنّ تطرّق الكتاب إلى القضيّة الفلسطينية، وجمعه بين السياسية والكومكس، استوقفا الدار، فقررت نشره بلغة «الضاد».

«غزّة ـــــ تاريخ من النضال» ليس كتاب ساكو الأول عن فلسطين. ثمرة زيارته الأولى كانت كتابه «فلسطين» الذي حاز جائزة الكتاب الأميركيّة عام 1996، وفيه ينقل حواراته مع فلسطينيين، وقصصاً عديدة سمعها من الناس. وفي تقديمه للكتاب الأوّل، رأى المفكّر الراحل إدوارد سعيد أنه «باستثناء كاتب أو اثنين، لم يقدّم أحد هذه القضيّة أفضل من جو ساكو». في «غزة ـــــ تاريخ من النضال» يعود إلى الأراضي المحتلة للتحقيق في «مذبحة خان يونس» (1956) التي ذهب ضحيّتها 250 فلسطينياً. وأثناء بحثه في تاريخ المذبحة، يكتشف مجزرة أخرى نفّذها الجيش الإسرائيلي في رفح. هكذا يقرر تخصيص قسمي كتابه للبحث في تاريخ هاتين المجزرتين. «ليس لدى الفلسطينيين ترف استيعاب أي مأساة قبل أن تقع عليهم الأخرى»، يكتب. على صفحات الكتاب المصوّر، يرسم نفسه في ملامح ذلك الصحافي الذي يرتدي النظارة وفي يده دفتر. يضع الفنان نفسه في الكتاب موضع نقد، حين تسأله إحدى الإسرائيليّات عن عدم اهتمامه بالرواية الإسرائيليّة للمجزرة... يجيبها ساكو «الكرتوني» بأنهّ لم يسمع طيلة حياته سوى الرواية الإسرائيليّة!