يجيد أحمد سيف حاشد استثمار بنيته الضخمة. يتقن تطويعها في طرق مثالية، ينجح من خلالها في امتصاص ضربات الهراوات من أيدي جنود مهرة، مُدّرَبين على تفريق التظاهرات والاعتصامات. حيثما يكون هناك اعتصام أو تجمّع مطلبي، تجد هذا الرجل وسطه... يشارك بصفته الشخصية ناشطاً حقوقيّاً أولاً، أو بصفته النيابية، عضواً في البرلمان اليمني منذ دخوله للمرة الأولى مستقلاً عام 2003.

يحضر صديقنا أحد سيف حاشد متضامناً فعلياً. يحترف الصمت في نشاطه، مبتعداً عن المهرجانية أو التنافس على مقعد في الصف الأول، يضعه في مواجهة العدسات. يفعل ما يراه واجباً، ثمّ يمضي على عجل... كأنّه لا يودّ ترك أي أثر. لهذا، لم يكن الحصول على موافقته للحديث معنا سهلاً، فقد حاول بمهارة الإفلات من موقف لا يطيقه: ألا وهو الكلام عن نفسه. كان لا بدّ من حيلة، وهي جرّه إلى الدفاع عن فكرة يؤمن بها، أو دفعه إلى الكلام عن أفعال جيّدة أنجزت على أيدي آخرين. ومن هناك، يمكننا التقاط خيط رفيع، يصلنا بما تيسّر من بوح عن حياته، وعلاقته بالناس، ورؤيته لـ«دروب الأمل» التي فتحتها خطوات الشباب.

في «ساحة التغيير»، أمام «جامعة صنعاء»، كان لقاؤنا. هناك تحلّق آلاف الشباب من مختلف أطياف المجتمع اليمني، للمطالبة برحيل الرئيس علي عبد الله صالح عن كرسيّ لم يفارقه منذ عام 1978. في اليوم السابق على لقائنا هنا، شارك نحو نصف مليون يمني في الصلاة، تحية لأرواح الشباب الذين سقطوا كي يواصل أشقاؤهم الطريق. كان ذلك في اليوم التالي لهروب الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي. حينها سمع أحمد يوسف حاشد أنّ عدداً محدوداً من طلّاب «جامعة صنعاء»، لا يتجاوز الثلاثين، خرجوا مبتهجين صوب السفارة التونسية في صنعاء، فكانت هراوات قوات الأمن لهم بالمرصاد. لم يتأخر صاحبنا طويلاً عن الركب، إذ انضم إلى الطلاب في اليوم التالي، متقدماً تظاهرة انتهت بتدخل عنيف لقوات الأمن. لم يجد الطلبة من ردّ أمامهم، سوى رفع شعارات تنادي بسقوط «الطاغية».
هل كان يتوقع، وهم قلّة، أن يحوّلوا تلك الساحة إلى ملتقى لكلّ هؤلاء الناس؟ يكتفي في البداية بنظرة بعيدة على امتداد الساحة، وبصوت يكاد يختفي بين صرخات الشباب المبتهجين: «لم أكن أتوقع صراحة أن نصل إلى هذه المرحلة»، لكنّه يستدرك سريعاً: «رغم ذلك، كان عندي إيمان خفيّ بقدرات الشباب على الفعل والرهان، وبنفَسهم الطويل، وخصوصاً أنّ الجامعة كانت دوماً مركزاً لإنتاج التحولات النوعية». يكمل نائبنا البرلماني عبارته كأنّه لم يكن مشاركاً في هذا الفعل من بدايته، أو كأنّه لم يكن دعامة أصيلة من دعائمه.
لكن، من أين جاء هذا الرجل بهذه المقدرة على نكران الذات؟ حالة تكاد تحيله كائناً عدمياً. نواجهه بهذا التساؤل، فيحكي لنا بجمل مختزلة وعبارات مكثفة، عن طفولة صعبة، قضاها في منطقة تتوسط الشمال اليمني وجنوبه، لم تنعم بالهدوء إلّا بعد توحّد الشطرين عام 1990. في تلك الطفولة الشقيّة، عاش مشرداً برفقة والده، بعد اغتيال أخيه الأكبر لأسباب سياسية. تنقّل بين أمكنة عدة، وصولاً إلى مرحلة الدراسة الثانوية في عدن، وحصوله على إجازة في الحقوق من جامعتها، أثناء فترة حكم «الحزب الاشتراكي اليمني».
حين نسأله إن كان اختياره دراسة القانون، على علاقة بحالة الظلم الاجتماعي التي تعرض لها، يجيب بكلمة واحدة: «ربما». لكن يبدو أنّ هذه المفردة تحمل ما هو أكبر من معناها، وخصوصاً إذا عرفنا أنّه استقر لاحقاً في صنعاء، ودخل سلك القضاء. وظيفة قدم استقالته منها بعد أقل من عام، لرغبته في الترشح مستقلاً لعضوية مجلس النواب، وهذا ما تحقق نظراً الى شعبيته الكبيرة في منطقته. لكنّه، بعد تعرضه لمحاولة اغتيال، سقط من جرّائها سائقه الشخصي، رفض الانضمام إلى الحزب الحاكم.
ومنذ تلك اللحظة حتى الآن، يخوض هذا القاضي حياةً منحازة لمعذّبين كثر من أبناء بلده. اعتصم من أجلهم، سجل طلبات استجواب عدة، ووصل به الأمر حدّ إعلانه الإضراب عن الطعام والاعتصام داخل مجلس النواب. كان هدفه الحصول على العدالة لفقراء تضرّروا من قيام شيخ منطقتهم، المقرب من الرئيس صالح، بتهجيرهم من أرضهم بسبب نزواته الكثيرة. «خذلني رفاقي في المجلس»، بوح يتبعه بتفسير: «كانوا يبدون مواقف جيدة، لكن حين يجيء وقت اتخاذ القرار يتغير الأمر».
يصعب أن نحصي حوادث الاعتداء التي تعرض لها أحمد سيف حاشد الذي يحمل حصانة برلمانية. هو نفسه لم يعد يتذكر عددها، ويكتفي بالضحك فقط عندما نسأله عنها. لكنّه بالتأكيد لا ينسى حادثة اعتداء عناصر تابعين للأمن عليه، أثناء تقصّيه عن سجن أقيم خلافاً للقانون في أحد المرافق الحكومية. حادثة قوبلت بتجاهل من كل الأطراف، وخصوصاً مجلس النواب اليمني، كإمعان في إهانة الرجل. وهذا ما دفعه للجوء إلى «الاتحاد البرلماني الدولي» في جنيف الذي أنصفه في نهاية المطاف.
يتقن القاضي حاشد انتزاع الحقوق مهما طال بها الوقت، ومهما تعرّضت للتسويف. يسكنه يقين حقيقي بالظفر بها، يشبه يقينه بأنّ التظاهرة الصغيرة يمكن أن تصبح مشروعاً وطنياً. يحمل على عاتقه اليوم مهمة أخذ البلد إلى أيام أخرى جديدة، بعد نجاح «الشباب في إسقاط النظام».
لا مستحيل في قاموس هذا الرجل الذي يحدّثك بصوت خفيض من فرط زهده في الحكي. يعرب عن تعلّقه بهدف لا يشك أبداً في تحققه، ألا وهو إيجاد وطن جديد مستقر، لا حاجة للناس فيه إلى تظاهرات أو اعتصامات احتجاجية. يعلم أحمد سيف حاشد جيداً أنّه وبنيته الضخمة سيصبحان حينها عاطلين من العمل... لكنه يخبرنا مبتسماً: «سأكون حينها أسعد عاطل من العمل في الدنيا».




5 تواريخ

1962
الولادة في القبيطة
(اليمن الشمالي سابقاً)

1987
حاز إجازة في الحقوق من «جامعة عدن»

2004
تعرض لمحاولة اغتيال وسط مدينة صنعاء،
قتل خلالها سائقه الشخصي

2007
تعرض لضرب مبرّح
من جنود تابعين للأمن السياسي

2011
يواصل الاعتصام في ساحة «التغيير»
في جامعة صنعاء، مع عشرات آلاف الشباب المطالبين برحيل الرئيس اليمني علي عبد الله صالح