لن نصير مجتمع أحرار ما دمنا جماهير. «جماهير» أبشع لفظة عربيّة. إنّها شكل الاستبداد في أحلك مظاهره. الجماهير غوغاء والغوغاء قطيع والقطيع يركض إلى الهاوية دون شعور. الشعب وحده مخيف كما يُخيف الحقّ. الشعب وحده يُغيّر التاريخ وهو أعزل. مثلما حصل في تونس. الجماهير تُقْتَطَع من الشعب كما يُفْرَز الزؤان من القمح. الجماهير تثور على الشعب ولا تثور باسمه.

مَن هو الشعب؟ هو العاصفة التي حين تَهبّ تهبّ من كلّ الجهات لا من فئة شعبيّة ضد فئة. هو الناس الذين لم يعودوا يقدرون على العيش، مجرّد العيش العادي، بعرق جبينهم، ومع هذا يصبرون. لا طائفة للشعب ولا طائفيّة ولا مذهب ولا مذهبيّة ولا حزب ولا حزبيّة، فدينه هو العدل وربّه هو الحريّة، وعندما يفتقدهما تلتقي جداوله عفويّاً كما حصل في تونس وتصبح نهراً والنهر سيلاً يجرف كلّ شيء. والثورة المحظوظة هي تلك التي لا تنفجر عفويّاً فحسب بل تمنع قوى التلاعب من تحويلها عن غاياتها في تحقيق العدل والحريّة، تمنعها باليقظة والتكتّل، مهما كلّف هذا الحرص من تضحيات. كلّ استقرار لا يتأسّس على العدل والحريّة سيكون خيانة للثورة.
محطّات عديدة تجسّدت خلالها روح الشعب في لبنان: عاميّة انطلياس، الشهداء ضد العثمانيين، الالتفاف حول رجال الاستقلال، الالتفاف حول المقاومة الفلسطينية في بدايتها، الالتفاف حول الإمام موسى الصدر، الالتفاف حول العماد عون في «قصر الشعب»، الالتفاف حول المقاومة في حرب 2006. محطّات عديدة. اللبنانيّون، في الملمّات، قادرون أن يتّحدوا. 14 آذار 2005 كانت اتحاداً شبه كامل، رغم غياب الحزبَين الشيعيّين. كانت الروح الشيعيّة اللبنانيّة هناك ولو دون صراخ. الاتحاد ليس مستحيلاً. الخيط السحري هو الإمساك بلحظة الانصهار الشعبي والتأسيس عليها. استلهامها واستخصابها. ما تَبَلْوَر مرّةً يتبلور مرّة أخرى. لقد عملت الدول، منذ تعدّد الطوائف في لبنان، على «انتحار» الناس بالعصب الطائفي. والممسكون بالمفاصل السياسيّة اللبنانيّة لا يزالون على هذا النهج. استُهلك الشبح الطائفي حدّ تحويله فزّيعة مضحكة، ومع هذا لا يزال «يخدم». بالقوّة حين يلزم الأمر. إنْ لم تنفع جثة فإليكم مجموعة جثث. إنْ لم تنفع الشائعات فإليكم مجزرة. إنْ لم ينفع شيء نقتلكم بالنيابة عنكم.
ولكنْ، بخلاف السذاجة السابقة، لم يعد سرٌّ خافياً على أحد. لذلك يمكن، ولو بشقّ النفس، الأمل بانتفاضة الشعب. الأمل بيأس الشعب. الأمل بالجوع والقهر والمرارة والكفر. الأمل بالجنون. الأمل بمعجزة.
الممسكون بنا يريدون لنا الفتنة، فهل يستسلم الناس للممسكين بنا؟ هل تستسلم نعجة الشعب مرّة أخرى لسلّاخيها؟
نعرف أن المعجزة التي ندعو إليها شبه مستحيلة، لكنّنا نعرف أن الرغبة بها مستعرة في كلّ صدر. كلّ لبناني يحلم بأن يكون جاره هو هذا المجنون الذي سيخرج من قطيعه هنا ليلتقي لبنانيّاً هناك سيخرج من قطيعه.
حلم ساذج، لكنّه يَمْنَح المهزوم بعض الكرامة.


بودا
مع الانحدار الذي بلغناه، ومع الخوف من الأسوأ، تكثر الحاجة إلى مَهارب. تلك حالةُ المحكوم. نعيش في سجن لا يطمح حرّاسه لغير أن يجعلوه سجوناً. مَهْربان يتبادران إلى الخاطر: ثورة شعبيّة شاملة يصفّق لفكرتها الجميع وليس لها قادة، وانشغال بالذات، بالتأمّل والصلاة، كما يرسم السجين على حيطان زنزانته خيالات تنقله إلى دنيا أرحم.
البودي لا يبتهل للعودة بعد الموت إلى الحياة بل لعدم التقمُّص مرّة أخرى. الحياة في نظره هي المشكلة لا الموت، والموت مشكلة إذا أعقبته العودة إلى الحياة.
لا بدّ أن يكون أصل البودا لبنانيّاً.


من رجاء بن سلامة
في كتابها «نقد الثوابت» (دار الطليعة) تقول الباحثة والكاتبة التونسيّة الدكتورة رجاء بن سلامة:
«المؤسسات الجثثيّة التي تحتكر الكلام باسمنا من دون أن تتكلّم باسمنا، هذه الجثث المتآكلة التي تحيط بها الضباع، والتي تُسمّى اتحادات العرب، وجامعات العرب، ومنظّمات العرب، لا نراها في أغلبها الأعمّ إلّا مساهمةً في تأبيد ثقافة العنف والمصادرة، وثقافة الضحيّة الذبيحة، والهُويّة الجريحة».
وتقول في مكان آخر من الكتاب: «لقد أوتي الشعر سلبيّة أساسيّة تجعله في حركة انفصال مستمر مع ذاته. تجعله قادراً على نفي ذاته وإنكار ذاته وعدم تطابقه مع أيّ تعريف (...) قصيدةُ النثر هي صرخةُ الحريّة التي تقول: لستُ شعراً، ولكنني أنهض بعبء الشعر زمنَ يكتسح الابتذال النثري الشعر. لا يمكن أن أكون شعراً إلّا إذا بارحتُ هذا المكان المحدّد سلفاً وتحرّرتُ من كلّ وصاية ثقافية أو سياسيّة أو أخلاقيّة أو دينيّة، وكلّ وظيفة محدّدة سلفاً (...) الشاعر لا يكون شاعراً إلّا من حيث لا يكون شاعراً. لا يريد أن يتماهى مع دور تكرّسه أجهزة الإعلام، لا يقع في فخاخ النجوميّة والجري وراء الشهرة المبتذلة، لا يكون أسير صورة شعريّة مكرّسة للاستهلاك الجماعي (...) الشعرُ نداء، وإنه نداءٌ يتجاوز المنادي والمنادى عليه، ويبقى بعدهما. فهو أفضل مقاومة للموت والفناء».
ونختم بهذه العبارة لها:
«لكي نواجه دعوات التكفير ويوطوبيات العودة إلى السلف الصالح، لا يمكن أن نكتفي بالصمت أو بردود الفعل الأمنيّة، أو بالمواقع الدفاعيّة المحتشمة أو باللغة الخشبيّة التي تُعدّد المكاسب وتردّد أن الإسلام دينُ التسامح... بل لا بدّ من فتح المنابر لإنتاج الثقافة المدنيّة الحديثة ونشرها، ولفتح الحوار الحيّ المتعدّد الطرف حول القضايا الدينيّة التي تشغل الناس، ولا بدّ من استئناف عمليّة تحديث المنظومة التربويّة وعمليّة ترسيخ قيم حقوق الإنسان فيها، حتى لا نترك أبناءنا فرائس سهلة للمفتين والدُعاة والأدعياء الذين يبثّون على مرّ الأيّام درساً وحيداً هو كره الحياة وكره الحريّة».
تحيّة إعجاب بهذه السيّدة الرائعة، ونرجو لبلدها العزيز أن تجري تطوّراته من وحي عقل ساطع النور كعقلها. هذه هي تونس التي يستحقّها التونسيون.


لا يعرف الباقي
اسألِ الجمالَ لماذا يأسرك لن يجيبك، لأنّه يملك نصف الجواب فقط. هو يعرف أنّك تُحبّه، يعرف حظَّه بك. الباقي لا يعرفه، ولو عرفه لفقد جاذبه. الباقي مشترك بينه وبينك. إنّه عيناكما معاً، وجهاكما معاً، سلْك الكهرباء بينكما معاً. الباقي هو لقاءُ العطاء الذي فيه بالمكان الشاغر لهذا العطاء فيك. العشق المتبادل بين مجهولَين.
أنت الزائل، جوعُكَ هذا هو «الأكثر منك» الذي فيك... وأنت أيّها اللحن الجميل، أيّها الجبل أو القمر أو البحر أو المجهول، جمالكَ يظلّ هائماً على وحدته الموحشة، رملة في صحراء، إلى أن يَقَع في شِباكه العابرُ المسكين، فيضجّ الدم في عروقك.
لَهَبُ الفاني يُعيّش الخالد.


غموض الجمود
الصورةُ التي تكوّنها بينك وبين نفسك للمرأة المرغوبة تُلزمها أكثر قليلاً ممّا الصورةُ التي تُكوّنها عن لوحة الجوكوندا أو تمثال أبي الهول تلزم الجوكوندا وأبا الهول.
أكثر: لأنّ المرأة تستطيع، بحركاتها وسكناتها، أن تصون هذه الصورة أو أن تضيف وتُنقص.
أكثر قليلاً: لأنّ واقع العلاقة سوف يهزّ الصورة في إطارها... بينما اللوحة والتمثال يتغذّيان في بالك من ينبوع دائم التجدّد هو الجمود. الحياةُ تقضي على الحياة. الجمود هو الغموض الوحيد الذي ينتصر.


حريّة اختيار
نظرةُ الآخر إليك تُحدّد مصيرك. نظرته إلى شكلك لا إلى «قيمتك». أكثر ما تحسّ ذلك، النساء. ذات يوم، تَعْبرين الشارع طولاً وعرضاً ولا يَعْلَق بكِ نظر. حتّى السّراق طالب التخفّي لا يطمع بهذا المقدار، فكيف بمَن يعيش على تجاوب العيون؟
العيون تمارس التمييز الهدّام ممارسةً تلقائيّة لا ردّ لقضائها. الأشخاص الذين تشيح عنهم الأنظار يعيشون تحت خط الحياة. لقد سُدّتْ في وجههم أبواب النظر.
العين حريّة بلا مسؤوليّة.


تَرَف جوهري
الحياة، الحياة الحديثة خاصة، بسبب من الاختلاط الفظّ والسرعة والتكالب على الرزق، تُعرّض المرأة، والصبيّة الحسناء أوّلاً، لا للتحرّش وهو ممكن الاتّقاء، بل لخطر أكبر يبدأ من تجريح غموضها ويصل إلى حدّ انهيار مقامها السحري انهياراً تامّاً. إنّها إحدى ضرائب «المساواة». نزول المرأة إلى العمل بهذه الكثافة الهائلة وتحت ضغوط المعيشة، انتزعها من برجها الحارس وألقى بها في عالم لا ربّ له غير النجاح. من الشعر إلى النثر. من سِلْك الأنوثة إلى جمهوريّة اللهاث. وبعدما كانت النساء العاملات في العصور الماضية فئة محصورة في بنات الطبقة الفقيرة أصبحت النساء العاملات هنّ كلّ النساء.
شريعةُ التطوّر، لا نقاش. الملاحظة هي فقط للتذكير كم أصبح عبء المحافظةِ على مقام الأنوثة أشدّ وطأةً على النساء، وأنّ ما تستطيعه المرأة في المنزل للعناية بنضارتها يجب أن يتوافر لها مثله في العمل كشرط يوازي شرط الضمان الصحيّ.
صورةُ «الفَرْق» يجب أن تُحْرَس في ميدان العمل لمصلحة الفريقين.