من الأدب الإنكليزي المقارن، إلى الموسيقى التجريبية، فإنتاج الفيديو لمحاولة قراءة المجتمع المصري، إلى لغات ووسائط فنية لا تتوقف عند حدود التجهيز، والتصوير، والنحت، والعروض الحية، والكتابة، فعودة إلى الموسيقى الشعبية بتصرف. حسن خان (1975)، فنان معاصر لا يمكن حصره إلا في محاولته المستمرة لفهم السياق الاجتماعي والسياسي الذي يعيش فيه ومساءلته بطرق مختلفة ومتعددة.


في الـ ١٥ من عمره فقط، دخل الجامعة الأميركية في القاهرة لدراسة الأدب الإنكليزي المقارن. «وجدت نفسي فجأة شاباً شُرِّعت أمامه الحياة بمسموحها وممنوعها». يومها، كان المشهد الفني المصري غنياً جداً وخالياً من معضلة الثنائيات بين الأصالة/ والمعاصرة، والشرقي/ والغربي، ومنطق الدخيل، وغيرها من المعضلات المهيمنة اليوم على الساحة الثقافية، ما أثر إيجاباً على خان وجيل بأكمله. «حينها، كنت أستمع إلى موسيقى جيمي هاندركس، وياسين التهامي، وكنت أحضر الموالد، وأنصت إلى الشيخ ياسين، وأحمد التوني وأتأثّر بكل ذلك». إلى جانب السينما المصرية، أسره المعلّم السويدي إنغمار برغمان، هو الذي ترعرع في كنف والده المخرج محمد خان، محاطاً بالفنانين من عالم السينما، والرسم، والأدب...
لكن أولى خطواته في عالم الفن، ستكون مع الموسيقى، وتحديداً آلتي الغيتار والباص خلال جلساته مع أصدقاء الجامعة مثل عمرو حسني، وشريف العظمة، وأحمد العطار: «كانت مرحلة تجريب على جميع الصعد الشخصية والفنية والسياسية انتهت بتقديم أول عرض موسيقي «نفس» (١٩٩٥)». العرض الذي احتضنه «أتيلييه القاهرة» شكّل أول لقاء خارج حلقة الأصدقاء، وأيضاً لحظة الاصطدام الأول: «اتّهمونا بأننا عملاء لإسرائيل!». يومها، عبّر الجمهور بوضوح عن رفضه لـ«نفس». «ربما كان الشكل المختلف، وغياب السردية الواضحة في العرض من العوامل التي استفزت الجمهور. اكتشفت عندها أنّ الاختلاف يساوي المحرم». كان يمكن تلك الحادثة أن تدفع خان إلى ترك الفنّ كلياً. لكنّها دفعته إلى العكس. أيقن أنّ الجمهور ينصّب نفسه ولياً على الفن، وشكله، وقوامه، فقرّر عدم الرضوخ لمعاييره، بل الاصطدام معها. «ذلك الحدث شكّل بداية حياتي كفنان، بداية اصطدام»، ما جعله يعي أهمية علاقته بالمحيط الذي يعيش فيه، حتى ولو كانت تلك العلاقة علاقة تضاد. من هنا، حدّد مشروعه الفني والدرب الذي سيسير عليه.
الفترة اللاحقة شملت إنتاج بعض الفيديوات القصيرة، والعمل مع صديقه المخرج أحمد العطار في المسرح. في عام ١٩٩٨، بدأ الكتابة في مجلة «لايف ماغازين» المصرية التجريبية التي تصدر باللغة الإنكليزية، وترتبط بشكل وثيق بالمجتمع. هذه التجربة طوّرت الحس التوثيقي عند خان. شهدت الفترة بين ١٩٩٨ و٢٠٠٢ انكباب الشاب على الأفلام/ الفيديو، والتجهيزات ذات المنحى التوثيقي. قدّم أول معارضه الفنية «أنا بطل، إنت بطل» (١٩٩٩) في «مركز الجزيرة للفنون». تجهيز من خمس شاشات فيديو، بُني على خمسة لقاءات مع أفراد عاديين في سياقاتهم الخاصة في القاهرة. «في تلك الفترة، كان طموحي أن أدفع المشاهد إلى تفكيك مسلماته الاجتماعية ومساءلتها. لكن لاحقاً بدأت أرى في الأهداف المحددة عائقاً يحجب الاحتمالات الكثيرة الأخرى. لم يعد الهدف أن يصل المشاهد إلى ما أستشفه كفنان من السياقات بشكل مباشر، بل أن يستطيع مقاربة العمل كشكل فني بحد ذاته، يحمله إلى سياقات، ومساحات أخرى، مختلفة وجديدة من دون أي أمثولة جاهزة لأقدمها». هذه المرحلة الجديدة في مسيرته انطلقت عام ٢٠٠٣. عندها، طلبت الجامعة الأميركية في القاهرة من تلميذها السابق حسن خان تقديم عمل فيها، فكان «١٧ وفي الجامعة الأميركية» (٢٠٠٣). بنى خان مكعباً زجاجياً يعزل الرؤية والصوت. في تلك الغرفة، جلس لمدة ١٤ يوماً أمضاها في شرب الجعة، والتدخين والتكلم، والتذكر، سارداً كل ما حدث له في الجامعة. «شكل ذلك العرض نقطة تحول بالنسبة إليّ. بعد هذه التجربة، ما عدت أريد التكلم على سياقات محددة، كالقاهرة ومصر والمجتمع، بل خلق سياقات جديدة، وتوفير لغات تواصل مختلفة». كان يصبو إلى التعاطي مع كيانه، وشخصه بغية فهم ذاته كجزء من التاريخ والذكريات. بذلك، قدم ذاته كمثال شفاف ومعروض عن خريج تلك المؤسسة (الجامعة الأميركية في القاهرة) بكل ما تحتويه من تعقيدات طبقية، واجتماعية.
من الموسيقى إلى الفيديو، ثم «رحت أستكشف أشكالاً فنية مختلفة، كالنحت، والتصوير، والأشياء، والكتابة». لكنّ خان ظلّ ينشط موسيقياً، ومن أشهر إنتاجات تلك المرحلة أسطوانة «طبلة دب». ونلحظ في فيديو «جوهرة» (٢٠١٠)، كيف جمع خان بحثه في العلاقات بين البشر والسياقات الاجتماعية والتاريخية، مع نشوة الموسيقى التي ألفها بنفسه، استناداً إلى الموسيقى الشعبية المصرية.
للموسيقى الشعبية مكانة خاصّة لدى خان. يرى فيها حدة المجتمع، والصراع الذي لا يتجسّد مباشرة، بل بأشكال متعددة بعكس البوب العربي المبني على فكرة السهولة، والتجميل الزائف للحياة. ولذلك، يشعر بأنّ هذه الموسيقى شبيهة بعمله الفني حيث لا قوانين ثابتة، بل تحول مستمر. «منذ عشرين عاماً حتى اليوم، لم يستطع البوب العربي أن يتغير إلا بأشكال طفيفة وسطحية. أما الموسيقى الشعبية من أحمد عدوية إلى عبد الباسط حمودة، وشعبان البغبغان، وناصر الأمين... فشهدت وتشهد تحديثاً كبيراً في الأشكال، والأصوات، والأنماط، ما يبرهن على حيويتها. لقد تعلمت الكثير من الموسيقى الشعبية المصرية».
قدم خان حتى اليوم أعماله في كل من القاهرة، وباريس، وتورنتو، ولندن، وإسطنبول، وإشبيلية، وسيدني، والشارقة، وألمانيا، ونيويورك. وشارك في أهم معارض الفنون المعاصرة في العالم. ويعدّ اليوم من أهم الفنانين المعاصرين في المنطقة الذين يعملون في الفيديو والوسائط المتعددة. بالإضافة إلى إصداره كتباً عدة مثل «تسعة دروس مستقاة من شريف العظمة» (٢٠٠٩) و«الاتفاق» (٢٠١١).
عن علاقته باللغات الفنية المعاصرة، يقول: «أجد نفسي بعيداً جداً عن ذلك الفصل بين الثقافات والمدارس الفنية، واتهامات الاستشراق والتغريب وكل تلك التصنيفات. مع الممارسة، تصبح اللغة الفنية مثل أي لغة أخرى لها أبجديتها، وكلماتها وتعابيرها المتنوعة التي تنطق وتعبّر من تلقاء نفسها من دون تحديدات، وتحليلات مسبقة».




5 تواريخ

1975
الولادة في القاهرة

1995
أول عرض موسيقي «نفس»

1999
أول معرض تجهيز فني
«أنا بطل، إنت بطل» في «مركز
الجزيرة للفنون»

2003
تقديم عرض «١٧ وفي الجامعة
الأميركية» وانطلاق مرحلة جديدة
من العمل

2012
يواصل بحثه الفني
عن وسائط متعددة