تخرجت خلود ياسين (1979) من معهد الفنون الجميلة (قسم المسرح). منذ البداية، كان هواها الفني يميل إلى الحركة. فابتعدت عن مسرح النص، لتبدأ رحلتها في عالم الرقص مع الكوريغراف والراقصة جنى الحسن، قبل أن تؤسس مع مجموعة من خريجي معهد الفنون فرقة «مقامات» (بقيادة عمر راجح) وتشارك في العرض الأول «بيروت صفرا» (2002). تجربة ستستمر وتتطور مع «مقامات»، لتشارك خلود في عروض متلاحقة، مثل «حرب عالبلكون» (2003)، و«إستمناء فكري» (2004)، وتتحوّل من أحد أعضاء الفرقة إلى الراقصة الرئيسية إلى جانب الكوريغراف والراقص عمر راجح.


مسار تطورت فيه تقنيات الراقصة، واستطاعت خلاله أن تثبت وجودها على ساحة الرقص المعاصر في بيروت. وكان الوقت قد حان كي تقرر الإنفصال عن «مقامات»، لبدء أبحاث جديدة في الحركة، تقدمها في أعمال تلعب فيها دور الكوريغراف والراقصة. إنطلق التعاون مع أخيها، عازف الإيقاع خالد ياسين، لتقدم عرض «بليلة من آذار» عام 2007، ثم Entre Temps عام 2009 وصولاً إلى Entre Temps II الذي يقدم إبتداءً من الليلة على خشبة «مسرح مونو».
من المؤكد أنّ تعاون الأخوين ياسين، لم يأت مصادفة. لطالما فتنت الإيقاعات خلود ياسين منذ الطفولة. فالأخوان المراهقان لم يوفرا أدوات مطبخ أمهما دون العزف عليها. ولا شك في أنّ الأصول السنغالية من جهة الأب، والبعلبكية من جهة الأم، لعبت دوراً في ولعهما بالإيقاع. رقصت خلود منفردة للمرة أولى في عرض «بليلة من آذار» على ايقاعات خالد ياسين الذي رافقها في عزف مباشر ضمن سينوغرافيا لفادي يانيتورك.




هنا، إنطلق البحث من تلك العلاقة المباشرة بين الحركة والإيقاع، ولكن السينوغرافيا المعقدة التي رافقت العرض الأول، وتضاءلت في العرض الثاني Entre Temps، ستتقلص في العرض الجديد إلى تصميم الإضاءة فقط (Emese Csornai) لينجلي فضاء المسرح عارياً إلا من الراقصة والعازفين. خيار يترجم إصرار الكوريغراف على التركيز المباشر على الجسد. أما النصوص التي لُعبت مسجلة في العرض الأول، فلم يتم اللجوء إليها ثانية وذلك بغية التخلص من أي طرح روائي للعرض. وهنا طرح مهم جداً، تبني عليه الفنانة خلود ياسين رحلة بحثها الحالية.
في لبنان، والعالم العربي، غالباً ما تحمل عروض الرقص المعاصر بعداً درامياً يطغو على الكوريغرافيا بحد ذاتها، يقيدها، ويفرض عليها قراءة محددة. والنتيجة عروض لا تصبو إلى النص الأساسي في بعض الأحيان، أو تأتي مشحونة بثقل درامي غير مبرر ومبالغ فيه. من هنا، قررت خلود ياسين التحرر من قيود الحبكة الدرامية في الرقص، والتفرغ للحركة المجردة والنقية النابعة بشكل مباشر من علاقتها بالإيقاع، وليس من هم سرد قصة ما. ذلك لم يمنع العرض من أن يشكّل في كليته سرداً معيناً، لا تبحث الراقصة عن الهروب منه. خيار وجودها على الخشبة، وتفاعلها مع الإيقاع والجمهور يأتي تلبية لنداء وحاجة داخلية دفينة تترجمها في كل حركة، وتبقى للمشاهد حرية إسقاط ما يشعر به على العرض. وفي ذلك خيار يتمثّل في العمل على تفاصيل الحركة، إيماناً بأن المشاهد لا يحتاج إلى رواية كي يتقبل عروض الرقص، بل يمكنه الإستمتاع بكوريغرافيا وبجو عام يخطفه إلى لحظات جمالية مطلقة.




أما التعاون الذي إنطلق مع العزف المباشر لخالد ياسين على المسرح، وافتقدناه في Entre Temps، فقد تبلور هنا أكثر. في Entre Temps II، يتولّى خالد مهمة التأليف الموسيقي، والعزف المباشر الذي يرافقه فيه رائد الخازن على «الجليسنتار». علماً أنّها آلة موسيقية، شبيهة بالغيتار، بـ 11 وتراً، ومن دون فواصل، مما يقربها أكثر من آلة العود، ويسمح لعازفها بلعب ربع النوتة، وبالتالي المزج بين مقامات الموسيقى الغربية والشرقية، ومنها مقام البيات، والرست، والنهوند المستعملة في التأليف الموسيقي للعرض. أما بالنسبة إلى تطور علاقة الراقصة بالإيقاع، فتنفرد خلود ياسين في أحد مشاهد العرض، غناءً إيقاعياً، يتحول إلى قاعدة صوتية، يعزف عليها الموسيقيان عزفاً حياً، لترقص خلود على ايقاعاته من جديد.
تلك العلاقة الوثيقة بين الإيقاع والرقص، وتمكّن خلود ياسين من جسدها ومن الإيقاع، بلورا لغة حركية خاصة تتميز بها وتتقنها في Entre Temps II. تتحكم بجسدها، فتفصل كل جزء منه وتخصّه بجملة حركية.
كل مفصل، وعضلة، توظف في حوار مع كل ضربة إيقاع، والصمت النابض بينهما. بين زمن الإيقاعات، تجد خطواتها، تحضّر تنقلها في مساحة المسرح، خالقة فضاءً مشحوناً في المسافة التي تفصلها عن مكان الموسيقيين على الركح. تبتعد عن التقطيع القاسي، لتفسح مجالاً لدفق الحركة في التواصل من أول العرض حتى آخره. لا فصل بين الإيقاع الذي تخلقه عبر أرجلها، وصوت الحركة في جسدها، حتى الصمت يمتلئ حيوية من دون أن تلغي مساحة البساطة والخفة.
Entre Temps II عرض تواصل فيه خلود ياسين بحثها عن لغة حركية خاصة بالتعاون مع أخيها خالد. عرض يدعو العين والأذن إلى الإستمتاع، حتى في لحظات الصمت.




Entre Temps II: 8:30 مساء اليوم حتى 27 أيار (مايو) ـــ «مسرح مونو» (الأشرفية ـ بيروت) ــ للاستعلام: 01/202422