الساكت عن الشرّ ليس شيطاناً أخرس، فما من شيطانٍ أخرس وما من شيطان غير أنا وأنت. الساكت، المغضي عن الباطل، جبان. الرأي المغضي عن باطل «أصحابه» والناهش في باطل «الفريق الآخر»، رأيٌ أعور. الشيطان رأيه صدّاح ولا يخشى لومة لائم. التشبيهُ بالشيطان افتراءٌ على هذا المخلوق الملائكي. لو كان في الشيطان خِزْيةُ شهادة الزور لجامَلَ الخالق وسجد للمخلوق. لو كان الشيطان.

لكنّ الشيطان هو أنتَ وأنا أحياناً.

■ ■ ■


كلامٌ عن الغيب والذات، ونحن على حافّة التدهور؟ إنّه اعترافٌ بعجزِ الكلمة أمام البغي والفساد. هذه الفضيحة هي بالأكثر فضيحة المجتمع والسلطة، وفي حمى الأجهزة والأحزاب والأديان. فضيحة انحلال الضمير وتَعفُّن الأخلاق في الطبقات الحاكمة على اختلاف سلطاتها وجنسيّاتها، فضيحة العالم السياسي _ الإداري _ القضائي _ القانوني _ الاشتراعي _ الأمني، لا فضيحة الكلمة.
حين لا تعود الكلمة تنفع تكون الجِيَفُ قد حلّت محلّ العقول، والقبور محلّ الأوطان.

■ ■ ■


نقيضُ الحبّ ليس البغض، بل عالم السياسة. عالمُ السياسة منفى الحياة، مداره الأنانيّة وسقفه السلطة. السياسي يَقْتل، يأذن بالقتل، يتعامل بالقتل. السياسي يُفرغ التاريخ من نسغ الحياة.
السياسة نقيض الحبّ كما هو الحجر نقيض الماء.

■ ■ ■


ومع هذا، في خضمّ الهلع، تجد مَن يشرق عليك بالأمل. التفاؤل فائضُ الخير. فائضُ الطفولة. أشعّة الفجر التي تسند الطفل ليكمل النموّ، ليكافح، هذه الأشعّة غزيرة لدى البعض. فَجْر مُخزَّن. كلّما تراكمت أشباح القلق في نفس الطفل اشتدّ تشبّثه بالفجر، وتكاثرت مدّخراته من الخير. الخير هو الحياة. ليس كلّ ما في الحياة خيراً، لكنّ الخير هو الحياة. تلك الحياة. المرغوبة، ذات الأجنحة. التفاؤل، الأمل، القوّة، هي فائضُ طفولة تجتاز الأيّام، متيقّنة أنّ الزمان أحضان وأنّ الدروب بيضاء كحليب الأمّ.

■ ■ ■


خجلتُ من العصافير عند الفجر. منذ دهر لم أُشاهد الصباح. السادسة، والشارع خالٍ. صفاءُ لون السماء ينزل على البيوت والإسفلت. ثم بدأت شاحنات سوكلين، خادمات الوجهاء ينزّهن كلابهم، ذئابُ الأعمال يبكرون في غاية الأناقة المأخوذة من الزيّ الأميركي المأخوذ من الزيّ البريطاني. بدأ الهدوء، هدوء الصباح الآهل بالمواعيد، يتعكّر بالضجيج الناشئ، لكنّ السكون لم يكن قد اندحر بعد.
لم تهتمّ آذان العصافير. كانت زقزقاتها من غير هذا العالم. شكراً أيّتها الكائنات المُحْسنة لإصرارك على البقاء في بلداننا، على الغناء خلال المجازر والحروب وجرائم القتل الشخصيّة والأحقاد والدسائس والمؤامرات. إمّا أنّكِ ملائكة صغيرة لا تتعاملين إلّا بالحبّ والطرب، وإمّا أنّكِ لا ترين أملاً في إصلاحنا فتمضين تغزلين عالمكِ الخاص، وكلّكِ ثقة بأنّ الإنسان ما دام عاجزاً عن التحليق فكلّ شيءٍ سيظلّ بأمان في مملكة الطير.

■ ■ ■


يقال إنّ معاناة اليأس ملحميّة. لدينا ولدى سوانا يأسات من عيارٍ آخر أقلّ عظمة وأكثر تعاسة، منها اليأس القَدَريّ، اليأس الطبقيّ، اليأس المستخفّ، اليأس العادي اليومي الرتيب المستلقي، إلى آخره.
لعلّ أفظعها اليأس العاديّ. فظاعته بادية من تزويج الكلمتين. يأسٌ من نوعِ موت الذين يُقتلون هنا وهناك كلّ يوم وباتت أسماؤهم أرقاماً.
ناس.
مَن كان في هذه الجثامين، أيّ أشخاص، أيّة وعود، أيّة حكايات؟
قتلى الحروب، والحروب الأهليّة، وحوادث السير، وأغلاط الأطبّاء والممرّضين، ونشافُ عروق الحنان...
مَن أنتم أيّها الذين منذ قليل كنتم تلعبون؟
اليأس الملحميّ، الخسارة الهائلة، الحزن المدوّي، لم يعد لهذه وجود إلّا في الوصف الأدبي.
وفي صدور المترفّعين عن الاستعراض، المؤمنين بأنّ أهمّ ما في الوجود ليست الحياة بل الكرامة.

■ ■ ■


يُعرَف المرء من نوع ذكرياته: الغارقة ذكرياته في الأودية السحيقة يعاملها كأثر بعد عين. الذي يكاد لا يلتفت إلّا يرى ذكرياته العتيقة غضّة كالفواكه، طفلٌ في أيّ عمرٍ كان.
الخيال يسبق المطر. التذكُّر يسبق الزيارة.

■ ■ ■


ليس هذا مديحاً للطفولة، بل هو أضعف الإيمان. وبقدر ما تُمدح، الطفولة تُهاب لأنّها جاذبٌ للصواعق، ولولا براءتها المسكّنة للغضب لتبدّدت كالفراش عند أقلّ لمسة. الطفولة ليست شيمة أو فضيلة، بل هي الفجر في مسائنا. محض جمال. هي البخور والورد، لا البخور يُبَخَّر ولا الورد يُبرَّج. المدائح للملوك والحبّ للأطفال. الطفولة مجلبةٌ للصواعق، والحبّ صاعقة، صاعقة لظلام صاحبه. الطفل ينير كلّ عتمة. المعشوقة تُعْشَق، لا تُصْمَد ويُتَغَزَّلُ بها. الطفل لا يُبَجَّل بل يُعْبَد.

■ ■ ■


جاء في الحديث: «كنتُ كنزاً مَخْفيّاً لم أُعْرَف، فأحببتُ أن أُعْرَف». ما الذي يَدْفع الخفيّ إلى الظهور؟ ما سبب الإطلالة من عرش الأسرار؟ يقول ابن عربي: «إنّكَ ما أدركتَ إلّا بحسب استعدادك». جهوزيّة الإنسان للمعرفة جعلته يعرف.
ولكنْ لماذا أحبَّ الغامضُ أن يُعْرَف؟
لماذا قدّم نفسه؟
لو كان ذلك برغبةِ السلطة لما قال: «فأحببتُ أن أُعْرَف»، بل لقال: «فأردتُ أن أُرى». لقد أرادَ الحبّ، لا التباهي، والتعارف لا السطوة.
صاحب الكنز، الذي كان في عهده الأوّل مطمئنّاً إلى عزلته، بدأ يتحرّق.
لا لعرض كنزه بل لإغداق حبّه.

■ ■ ■


لبدر شاكر السيّاب قصيدة يقول فيها: «سيزيف إنَّ الصخرة الآخرون»، معارضاً جملة سارتر المعروفة: «الجحيم هي الآخرون».
الآخرون؟ المعركة هي مع الآخر؟ لننظر جيّداً، أليست المعركة هي مع الذات؟ أنا هو آخر، كما يقول رمبو، ولكنْ بغير ما يقصده، على الأرجح. أنا هو نصفان، نصفٌ يحاكم نصفاً، يؤنّبه، يرشوه، يحاججه، يذعن له أو يتمرّد، في مبارزةٍ لا تستكين إلّا لتهبّ، ولا تتوارى إلّا في الأشخاص _ السطوح، في الأفقيّين المسترخين على هواء الأشياء، على نعيم الأديم، فوق بساط البَرَكة.
الإنسان مصلوبٌ على ذاته، لا النعم تستقرّ ولا اللّا. هاملت. لا العقل ولا العاطفة. مُمَرْجَحٌ بين جبلين تتقاذفه الدوّامة الصاخبة. أكون أو لا أكون؟ ليتها فقط كذلك، بل هي أيضاً أقف أم أقعد، أتصلّب أم ألين، أتكلّم أم أصمت، أغيب أم أغيب أكثر أم أغيب بلا إياب؟
الصخرة بين حَد الضمير وحَدّه، بين اليمنى واليسرى، بين القانون والرحمة، بين الصخرة والصخرة: الأولى أنت والثانية أنت الثانية.
حيرةُ الضمير المتصارع نشوةٌ يستخفّها طرب الهاوية.


■ ■ ■


لو لم أكن أَحْيَرَ منك لقلت لك: لا تتردّد، أطِع أكثر ما فيك نوراً.
وها أنا ذا قُلْتُها.



طرابلــــــس

أسمعُ، أُشاهد، لا أفهم. قالها السيّد رفعت عيد بالفم الملآن: إذا لم ينجح الجيش في بسط الهدوء فقد يدخل الجيش السوري إلى طرابلس ويتولّى الأمر «وسيترجّونه (يقصد العرب والعالم) ليقبل». وسبقه ولحقه كثيرون في هذا المعنى، ولو كانوا أقلّ صراحةً منه.
مبروكٌ إذا حصل. مبروك خصوصاً للمعتصمين الأذكياء في ساحة النور من غُلاةِ الملتهبين الذين يصرخون ويهدّدون ولا يخيفون إلّا أوادم اللبنانيّين، فيما يقدّمون للحكم السوري مختلف الذرائع لحلّ أزمته الداخليّة عبر «تأديبهم» في... لبنان، «خدمةً للأمن الإقليمي والسلام العالمي وحقناً للدم الأخوي».
في هذا الوقت يتخالط ألوف وعشرات ألوف اللبنانيّين من جميع الأحزاب والطوائف، في الأسواق والمطاعم والمقاهي وعلى البحر وفي المستشفيات والفانات، في السرّاء والضرّاء، يتشاركون الهواء ذاته والماء الملوّث ذاته واللحم الفاسد ذاته وعلى أجسادهم وأرواحهم بصماتُ عقودٍ من «الوصاية» السوريّة التي ربّت القمل في رؤوسهم بحجّةِ إطفاء الحرائق التي كانت الاستخبارات السوريّة وعملاؤها يشعلونها في لبنان.
لا يريد الفتنة الّا المأجورون.
عام 1975 لم يكن الجميع يعرف. البعض فقط، منهم المجنون ومنهم المتواطئ. اليوم كلّهم علماء، فما سرّ هذه الشهيّة للانتحار؟
شعبٌ طيّب تستهويه الهاوية. حكوماتٌ ذكيّة عديمة البطولة. مصائرُ أبرياء في قبضةِ مُلْحَقين وموتورين.
لقد وََضَعتنا الطبيعة على خازوقٍ جغرافيّ لا على فالقٍ زلزاليّ.
أفْضَلُ ما في لبنان الهجرة.