القاهرة | الكلّ في مصر يهتفون «يسقط حكم العسكر»، لكنْ لوزير الثقافة شاكر عبد الحميد رأي آخر على ما يبدو! في مفاجأة غير سارة للمثقفين، أضاف الوزير إلى الجهات التي تملك حقّ التصويت على جوائز الدولة منصب مدير الشؤون المعنوية في القوات المسلحة، بصفته عضواً دائماً في المجلس الأعلى للثقافة. ولن يكون له الحقّ في التصويت فقط على الجوائز، بل أيضاً رسم السياسات الثقافية ومناقشتها.

إضافة عضو المجلس العسكري تأتي في إطار تعديل قانون المجلس الأعلى للثقافة. هذا التعديل، كانت قد بُحَّت أصوات المثقفين في المطالبة به منذ سنوات، من أجل تغيير «تركيبة» أعضاء المجلس الذين يملكون حقّ التصويت على جوائز الدولة كلّ عام. هذه التركيبة كانت تعطي الغلبة للموظفين على حساب المثقفين. بالتأكيد ثمّة ردود جاهزة من المسؤولين، بأنّ من يحقّ لهم التصويت ليسوا موظفين فقط بل هم أيضاً مثقفون. وهذه قد تكون حقيقة في لحظة معينة، لكن من يضمن أن يظلّوا هكذا دائماً؟ إذ يتكوَّن المجلس من ستين عضواً، نصفهم ممثلون لهيئات ووزارات مختلفة، منهم عشرة لوزارات مثل المالية، والتعليم، والسياحة والخارجية والتخطيط، فضلاً عن رؤساء الهيئات الثقافية، وممثلي النقابات، بينما النصف الآخر لمثقفين بأسمائهم.
بعد الثورة، طالب المثقفون بتعديل هذه الهيكلة، ونوقش مشروع كامل، قدّمه الفنان التشكيلي عادل السيوي، إضافةً إلى مشاريع أخرى لعدد من المثقفين، لكن بدلاً من أن يستعين وزير الثقافة بهذه المشاريع، ضرب بها عرض الحائط لينفذ مشروعه الخاص. وبدلاً من محاولة البحث عن صيغة جديدة للتصويت على قانون الجوائز للحدِّ من هيمنة الموظفين، أضاف قانون الوزير الجديد هيئةً أخرى لم تكن متوقعة: الشؤون المعنوية للقوات المسلحة، صار لها الحق الآن في التصويت على الجوائز بحسب القانون الذي رفعه الوزير، وقد يُعتَمد قريباً. وهذه بالتأكيد كارثة، تضاف إلى الكوارث التي حققها شاكر عبد الحميد منذ تسلّم منصبه، حين كانت قوّات «المجلس العسكري» تقتل الشباب في شارع محمد محمود. لم يرفض المنصب المصبوغ بالدماء، وعدّ الجميع موقفه مجرّد «ضعف بشري» لرجل يريد أن يختم حياته الوظيفية بمنصب «الوزير»، كي يضيفه إلى «السيرة الذاتيّة». لكن للأسف الشديد، لم يقدِّم أيّ إضافة حقيقية حتى الآن إلى المشهد الثقافي، بل تأرجحت مواقفه بين مغازلة التيارات الدينية، ومحاباة الفاشية العسكرية.
ارتباكٌ هدفه الواضح الحفاظ على الكرسي، توَّجه أخيراً بمغازلة العسكر أو «منحهم» مكافأة نهاية الخدمة، وتثبيت وضعهم كمانحين لجوائز الدولة، ومصوتين عليها.
المشهد مخيف. الأوامر لم تكن على الأرجح أكبر من الوزير، أو من قدرته على الرفض، لكنّه تطوع لتنفيذها. وهذا ما يجعلنا نطرح بصراحة تلك العلاقة الشائكة والأزلية بين «المثقّف والسلطة». وهي علاقة تبدو من تجاور الكلمتين اللتين لا يفصلهما سوى «واو العطف»، كأنّها علاقة نديّة، مع أنّها ليست كذلك على الإطلاق. بعض المثقّفين المصريّين هم مجرّد خدم للسلطة من دون أن تطلب منهم السلطة ذلك. ولا تعني السلطة هنا الحكومات والأشخاص الفاعلين في المشهد السياسي فقط، بل أيضاً منظومة كاملة من القوانين والأفكار. ويتأكّد يوماً بعد آخر أنّه لا أمل في إصلاح المؤسسات الثقافيّة المصرية التي انتهت صلاحيتها. لم يبقَ علينا إلّا تشييع هذه المؤسسات بجوائزها وأنشطتها إلى مثواها الأخير... فلنبحث عن مؤسسات بديلة!