التطهُّر بواسطة الإفراط.

الإفراط في التهتُّك كما فعل الراهب السيبيري غريغوري راسبوتين في عهد آخر القياصرة، الإفراط في النرجسيّة على غرار المتنبّي: تورّمت ذاته حتّى انفجرت واضمحلّت في الذات العامّة، حين تفتّقت عن حكمٍ وأمثال نردّدها من بعده رغم ورغم... لكنّ الذات العامّة ليست دائماً قدوة. الذات العامّة القدوة هي، بشريّاً، المجتمع الأمثل، وأين هو؟ وخارج النطاق البشري هي الله، وهو ما يؤمن بوجوده البعض ولا يؤمن البعض الآخر، وتذابح ويتذابح تحت رايات أديانه خرافٌ كثيرة.
التطهُّر بواسطة الإفراط.
التصوّف، التنسُّك، اللّياذ بالطبيعة، الجنس، الصوم، جَلْد الذات، المغامرة، النشوة...
أشخاص دوستيوفسكي وجدت فئة منهم الخلاص بالجريمة. نيتشه تَطَهَّر بالهدم وافتعال الضحك الباخوسي. روسّو تَطَهَّر بعرض نفسه عارية. شكسبير بتخمة التأليف. دو ساد بتحريض الآخرين على الرذيلة. روبسبيير بقطع الرؤوس. هوميروس وميلتون بتوظيف عماهما للتنوير، الأوّل نوَّر التاريخ بالأسطورة والأساطير بالحياة والآخر أرسل نوره الكشّاف ما وراء الحياة.
التطهُّر بواسطة الإفراط.
بيتهوفن قال لصممه: دعني أسبر غورك.
سأسمع ما تَحْتك وما فوقك، سأصغي لك وسأسمعك، ولكن دعني أيضاً ألتقط إيقاعات ذهولي المتدفّقة وراء حيطانك...
وأفرط بيتهوفن. أفرط في تدفيق موسيقى كأنّها كانت موجودة قبل التكوين، ضائعة في الزحام كطفلٍ لم يجد أبويه بعد، وينتظر مَن يعثر عليه... وتَطَهَّر من عاهته حين لم يسمع تصفيق الجمهور للسمفونيا التاسعة ولا سمع وَقْع أنامله على البيانو بل سمع ما تضجّ به روحه: سمع الإعجاز البشريّ يغلب القَدَر.

■ ■ ■


الجمال _ والجمال هو صلةُ الوصل بين تأجّج الجحيم واستراحة المَطْهَر وصفاء الفردوس _ الجمال هو جنون الكَرَم.
جنونُ الكَرَم مَطْهَر الجنون.
جنون الكَرَم مَطْهَر القدرة على العطاء.

■ ■ ■


من كثرة ما هي البشاعة عامّة غامرة أصبح الحكي عن الجمال إفراطاً في البلاهة. من تضخّم أوقيانوسات الضحالة والإسفاف أصبح الحكي عن العبقريّة نكتة.
هذا التفاوت الشاسع بين الواقع والمثال، في الحالين، هو نفسه أحد موجبات التفتيش عن الجمال، وتَلَمُّسه، وخَلْقه، وإحياء شعلة عبادته.

■ ■ ■


كلّما توغّلنا في الجمال، انتقمنا ممّا يَقهرنا. مهما أمعن فينا الألم، الشرّ، المعاكسة، لحظةُ رؤيا خلّابة تُعوّض وتزيد. تعيد خَلْق الميت.

■ ■ ■


الإفراط في الإيمان هو نقيض التعصّب.
الإفراط في الإيمان انعتاقٌ من الأديان واهتداءٌ إلى وحدة الكون.

■ ■ ■


يعدّد الفارابي أربعةَ أنواعٍ من المدن (أو المجتمعات) الفاسدة: المدينة الجاهلة، المدينة الفاسقة، المدينة المُبَدِّلة (أي التي انطلقت من مبادئ صحيحة ثم تنكّرت لها) والمدينة الضالّة. خلاصة القول إن الزَيَف والكذب وتكديس المال والتسلُّط والقهر والفوضى والخداع والاحتيال والنذالة هي القواسم المشتركة بين هذه المدن.
ما يسمّيه الفارابي مدناً فاسدة كانت فاسدة في نظر مثاليّي عصره، أي القرن العاشر، وما قبله عصور سقراط وأفلاطون وأرسطو وبودا والمسيح، وقد باتت في ما بعد قبلةَ الشعوب ومرمى آمالها. (كان الفارابي مجايلاً للمتنبّي، وكلاهما عاشا حقبة في حلب، وكانا مقرّبين من سيف الدولة الحمداني. واللافت أن سيف الدولة كان يتبرّم من صلف المتنبّي وكبريائه، كذلك كان، رغم إعجابه بفكر الفارابي، يتضايق من غرابة مَلْبسه وبوهيميّة سلوكه، ممّا أسخطه عليه فأبعده عنه). هل هناك نوعٌ من التطهُّر عن طريق الفساد؟ ذكرنا في البداية الراهب الروسي الخليع الرائي الشافي العجيب راسبوتين. وله أقرانٌ في تاريخ المسيحيّة، غربيّة وشرقيّة. لكنّ فساد راسبوتين كان فساد شخص لا مدينة، وحظوته لدى القيصرة كانت حظوة شخصٍ لا شعب.
للجواب، نأخذ مدناً حديثة كنيويورك وطوكيو ولندن وباريس... هل نستطيع أن نقتطع لكلّ منها نعتاً واحداً؟ ماذا كان الفارابي سيسمّي هذه المدن؟ لا حاجة للتفكير كي نلقى الجواب: لقد أوجد الغرب (لنعتبر اليابان الجديدة جزءاً منه) المعادلة التي تريحه وتقيم التوازن بين مبادئ ثوراته، وأهمّها الثورة الفرنسية 1789، وبين رفاهيّة العيش. بين حقوق الإنسان المعنويّة والأخلاقيّة وحقوقه الاجتماعيّة. بين القانون والتمتُّع بالعيش. بين الدولة والفرد.
ماديّة على خلفيّة القانون، وحريّات مقدّسة على خلفيّة الدولة أُمّ الجميع.
المفهوم الدينيّ لم يعد أساساً في شريعة المدن الحديثة.
هذا هو جوهر العَلْمنة.
لا خطيئة في ظلّ العلمنة لأنّ لا أسطورة معها، لا ثواب ولا عقاب إلّا بميزان العمل والجهد. المجتمع هو عشرات بل مئات بل ألوف المجتمعات في المجتمع الواحد، الحريّة حقّ طبيعيّ بديهيّ لكلّ واحد والقانون هو المَرْجع.
لا حاجة للتطهُّر في المدن الحديثة. وهذا هو أخطر شعور يمكن أن يتملّك إنسان هذه المدن. انتفاءُ الشعور بالحاجة إلى نورٍ يغمرنا، إلى الصعود درجة أبعد في سلّم الروح، هو ضرب من انسداد الشرايين. الإشباع الاجتماعي والمدني ليس نهاية. هو إحدى الغايات ومكافأة صغيرة على معاناةِ عصورٍ من الظلم. مكافأةٌ لا تسقي عطشاً قد يرتدي أحياناً قناع النسبيّ، لكنه عطشٌ إلى مُطْلَق. ونظنّ، بالعكس، كلّما تقدّم الإنسان على طرق الرفاهيّة والتمتُّع بالحقوق وابتكار حقوق جديدة والسعي إليها وتحقيقها، تزايدت حاجته إلى البُعْد الظلالي، إلى ما وراء أعضائه، إلى خلاصٍ من المحدود والمنتهي والمُكرّر والمُعاد، إلى ما يُشعره بالتحليق، باختزال الأبد، باحتطاب الشجر المسحور.
إلى عدم الموت، بالإضافة إلى الموت، جفافاً روحيّاً. يكفيه تهرّؤ أعضائه وتحلُّل بدنه. لا يريد سعادة حياة ريّانة بالقانون وميتة بالتطلُّع والشوق.
رغم القفزات الهائلة اجتماعيّاً وتمدُّنيّاً وحضاريّاً، لا يزال الإنسان رهين الصحراء. بل أصبح أوثق ارتهاناً لها. كيف ينجو؟ هل من خلاص؟

■ ■ ■


لا نحبّ الإكثار من كلمة خلاص. تارةً تلوح منها ظلال الأديان وطوراً أوامر العقائد. ولكنّها هنا تفرض نفسها. الأرض الخراب، أرض اليوت، أرض أورشليم التي لم يتعب أنبياؤها من لعنها، أرض القنبلة النوويّة والإيدز والمجاعات، أرض الحروب والجرائم، الأرض قبل نوح، الأرض بعد نوح، أرض التماسيح البريّة، أرض الدموع والغرور والركوع والهَلَع، أرض العصابات والمساكين، أرض الآباء والأبناء والضفادع والنسور، أرضنا التي احتملت بَشَرها أكثر ممّا احتمل البَشَر الأرض والسماء، هذه الأرض تطلّ من غُطَيطتها الدهريّة بين الغفوة والغفوة لتصرخ: «النجدة!».
يتعطّش الإنسان إلى الخلاص كما لو أنّه لم يعرف الخلاص بل ما عرف إلّا التعطُّش إلى الخلاص. ليس لأنّ الشرّ كثيرٌ فحسب بل لأنّ الإنسان الذي كان يبحث عن المعرفة والحلول في الكواكب والنجوم صارت الكواكب والنجوم في رأسه وقلبه ولم يعد يسألها كما يسأل الطفل أبويه بل صار يسألها كما يسأل الرجل صاحبه.
جاء رسلٌ وأنبياء وفلاسفة وحكماء. امتلأت الأرض كلاماً. «لاقني إلى السهل» كان يهوه يقول لحزقيّال، «وأنا هناك أكلّمك». أبلغ يهوه إلى حزقيّال ما أراد إبلاغه إلى إسرائيل الجاحدة. وحزقيّال كان شاكراً لأنّ يهوه اختاره. كذلك موسى وأيّوب وداود وسليمان وأرميا وأشعيا. اختارهم لماذا؟ هم ظنّوا لكي يربّي إسرائيل. وهل مَن يُربّي إسرائيل!؟ كلّ ما تبقّى من بلاغات يهوه لإسرائيل على لسان أنبيائه، أي الشعراء، هو جمال شعرهم...
يقول فرويد: «ممّا يبدو لي غير قابل للنقاش أن فكرة «الجميل» تُرسي جذورها في الهياج الجنسي، وأنّها في الأصل لا تعني إلّا ما يستثير جنسيّاً».
تتضمّن التوراة فصولاً جنسيّة فاحشة ولا ريب، ولكن مهما قَلَّبَ المرء في روائع شعراء التوراة الآنفي الذكر لن يجد شيئاً من هذه الإيروسيّة، ومع هذا سيقشعرّ بدنه وهو يقرأ ويظلّ مقشعرّاً إلى آخر الأيّام. لماذا؟ أيّ جنسٍ هنا؟ جنس الملحمة الروحيّة. أيّة إثارة؟ إثارةُ الجمال الأدبي. إثارة الأقاصي، أقاصي الوجدان، أقاصي المصير، أقاصي النفس.
كان الدكتور فرويد طبيباً نمساويّاً يهوديّاً لم يثبت تديُّنه ولا ثبت إلحاده ولا حتّى ثبت انحيازه لليهود في صراعهم مع هتلر بل يؤكد الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري أنه، لدواعٍ انتفاعيّة ماليّة، أبدى مسايرةً ملحوظة للزعيم النازي. ولم يُؤْثَر عن فرويد تذوّقه للأدب ولا تعمّقه فيه. كان عالماً فريداً بين العلماء رائداً بين الروّاد، على قلبٍ جاف ولغةٍ مملّة وانعدامٍ للحدس الشعري. من الأدلّة على ذلك قِصْر خياله وقلّة تهذيبه لدى استقباله أندريه بروتون إبّان انطلاقة الحركة السورياليّة التي كانت تعتبره أحد مُلهميها.
الشهوةُ نبعٌ من ينابيع الجمال. ولكن المسيح جميل ولا وجود فيه لغير الروح. لغةُ القرآن إلهيّة لأنّ بهاءها إلهيّ. السلوك البودي مُلْهَم سامٍ لأنّ قوامه عبقريّة فتنةِ السلام.

■ ■ ■


يُهيّأُ للمرء، في الغالب من الوقت، أنّ العبقريّ لم يعش بين الآخرين، وأنّ الجمال المغنّى والمُمَجَّد في الشعر والموسيقى والنحت والتصوير والغناء هو أضغاث أحلام، وأنّ الخلّاق شخصٌ نرجسيّ مدّعٍ لم يخلق ولن يخلق شيئاً، وأنّ الذين أبدعوا روائع هم كائنات هيوليّة لم يخالطها أحد ولم تشارك سائر البشر أيّاً من حاجاتهم وعيوبهم وفتافيت يوميّاتهم.
للحقّ، أفضَلُ أن يظلّ ذلك المرء المذكور أعلاه يفكّر مثل هذا التفكير. للحقّ، ولكن ليس بالكامل: الفرقُ بين الجمال ومبدعه لجهة، والمستمتعين بالجمال والسامعين بمبدعه لجهة أخرى، الفرق هو اشتراكهم جميعاً في الحاجات والتعاسات والفتافيت الحتميّة. لكن الباقي صحيح. صحيح، أهل الخَلْق ليسوا أهلاً للعيش الطبيعي. صحيحٌ أنّهم نرجسيّون وربّما أدعياء. صحيح أنّهم حين يمشون بين الجماهير إمّا يحسبونها ملائكة مثلهم وإمّا يرونها مثلهم أيضاً عفاريت أو يحتقرونها احتقار النبلاء للرعاع. الأفضل أن يظلّ الأمر هكذا. وهو هكذا بالفعل.
يقال عن العبقريّ «مجنون» لا لأنّه يُجَنّ بل لأنّه يكون قد بدأ في الاعتقاد بأنّه معيب لاختلافه عن الآخرين، أو لأنّه، خصوصاً، يأخذ في محاولة التكيُّف مع طريقة حياة الآخرين.
العبقريّ ليس أحداً بل هو نخبة أرواح في جسد مسكين. قد يكون جسداً جبّاراً، ومع هذا جسد، أي مسكين.
يعيش العبقريّ بيننا لأنّ الخارج من الجنّة لا بدّ له أن يصل إلى الأرض. وحين يذهب يبقى إرثه للأرض، لكنّه هو يعود من حيث أتى.
عاش أمامنا، لكنّه لم يكن هو بل شُبّه لنا.

■ ■ ■


بدايةُ الجمال صباحُ وجهِ الطفل وذروتُه سطوعٌ كأنّه وجهُ الله يشرق ليحرق العوسج ويجلو الورد.

■ ■ ■


التطهُّر بالإفراط في الجمال.
التطهُّر بالإفراط في تأليف الجمال.
التطهُّر بالإفراط في معاركةِ الجمال.
التطهُّر بالإفراط في رفض الجمال من فرط استبداده، والاستسلام له من قوّة هدوئه.

■ ■ ■


التطهُّر بواسطة الإفراط ليس مذهباً بل هو دمغة على الجبين. ليس احتيالاً أو طريقة بل هو قَدَر. التطهُّر بالإفراط لا يمكن أن يكون شرّيراً إلّا للخلائق المنحطّة. الإفراط سموّ والطهارة أسمى. التطهُّر بالإفراط معادل للتقدُّس بالملائكيّة.

■ ■ ■


الجمال هو الجميل كما هو فكرة الجمال. الجمال هو الموسيقى كما هو الحسناء. هو الشعر كما هو الطبيعة. الجمال الذي سيخلّص العالم هو السحر الذي أنقذه وينقذه وسيظلّ ينقذه من السقوط والاستسلام والعتْه والفساد والتحلّل واليأس والانقراض. وسيظلّ ينقذه من نفسه.
الجمال في الغموض كما هو في البساطة، في مغالق الغيب وهياكل المجرّات كما في صلاة الجدّة وفي التلميذة الحاضنة محفظة كتبها متوجّهة إلى المدرسة مثلما تتأهّب الغزالة الصغيرةُ للبحث عن شيء.
الجمال في الإفراط بنداء العينين.
الجمال في حبّي، في حبّك، في حبّ مَن نعرف ومَن لا نعرف.
الجمال هو التطهُّر.
ليس هناك مَطْهَرٌ بين الأرض والسماء.
الجمال هو الأرض والمَطْهَر والسماء.