كأنّنا في أحد دكاكين سوق الورّاقين البغدادي، وجاحظٌ آخر يغرق وسط أكوامِ الكتب والوثائق والمخطوطات. أينما التفتنا ستطالعنا صور شخصيات تاريخية وزعماء ورؤساء. تتجاور تصاوير المسيح وعلي بن أبي طالب هنا. أيقونات، ومأثورات إسلامية. كأننا أمام ألبوم ضخم لتاريخ سوريا يتوزّع على الجدران والممرّات. نتأمّل صورةً بالأبيض والأسود لجمال عبد الناصر خلال زيارته الجزيرة السورية، أيام الوحدة السورية المصرية أواخر خمسينيات القرن الماضي. «تعيدني هذه الصورة إلى أقدم ذكريات طفولتي في مدينة الحسكة، فقد كان وصول عبد الناصر إلى المدينة حدثاً استثنائياً». بهذا المشهد يفتتح مازن يوسف صبّاغ باب الذاكرة على وقائع طفولته وصباه في تلك البلدة الحدودية التي تتمازج فيها أقوام وإثنيات متعدّدة، عرب وأكراد وأشوريون. انحدرت عائلة الباحث والبرلماني السوري السريانية العريقة من شمال ماردين إلى الجزيرة السورية، بوصفها واحدةً من آخر سلالات بني تغلب، لتتجاور مع قبائل وعشائر عربية أخرى. والده يوسف صباغ، درس في الكلية السورية الإنجيلية في ماردين، وتشرّب الثقافة الليبرالية والحسّ العروبي معاً.


كان صبّاغ الأب هو من أسس غرفة الزراعة في المدينة، أربعينيات القرن المنصرم، وأسهم في زراعة القطن فيها. أما جدّه لوالدته سعيد اسحاق، فكان أحد أقدم البرلمانيين في منطقة الجزيرة. فقد تسلم مقاليد الحكم في سوريا إثر انقلاب أديب الشيشكلي (1951)، واستقالة رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي، واعتقال رئيس البرلمان، ورئيس الحكومة. في هذا المناخ السياسي والقَبَلي نشأ مازن صباغ، إذ كانت مضافة والده ملتقىً لوجهاء المنطقة، وشاهدةً على نقاشاتهم وسجالاتهم الحامية. «في هذه المضافة تفتَّحت مداركي على نسيج اجتماعي فريد، يضمّ أطيافاً متعدّدة من البشر، وعلى مواقف لا تُنسى في الوطنية، فقد كان والدي «عارفة»، تبعاً لتوصيف المجتمع العشائري».
استقراره في العاصمة دمشق منذ سنواتٍ طويلة، لم ينسه هواء الجزيرة. هناك نفحةٌ بدويّة تتحكَّم في سلوكه ويومياته، تجعله متجاهلاً أصوله المدينية. «أنا خلطة من المزاج العروبي، والمديني، والعشائري، ولم أشعر يوماً بتنافر هذه الصفات»، يقول صاحب «البناء السوري». بتأثير هذه الخلطة ربما، أتى اهتمامه المبكّر بمسألة التسامح الديني التي أفرد لها جانباً من أبحاثه، قبل أن يلتفت إلى توثيق تاريخ الدولة السورية الحديثة، منذ استقلالها عن السلطنة العثمانية إلى اليوم.
نسأله عن بدايات اهتمامه بالتوثيق؟ يروي حادثةً حصلت معه أثناء عمله مستشاراً في وزارة الإعلام. «كنت كلَّما احتجت إلى صحيفة ما، مضى على صدورها أسبوع أو أسبوعان، أفتّش عنها فلا أجدها، لعلّ هذه الحادثة هي ما قادني إلى الاهتمام بالأرشفة والتوثيق بغياب فاعلية مراكز التوثيق في سوريا»، ويستدرك: «ربّما تتعلّق المسألة بقراءاتي المبكّرة لمذكرات وسير الزعماء أمثال تشرشل وديغول وخالد العظم». ويضيف ضاحكاً: «الآن أشعر بقيمة الخمس ليرات التي كنت أودعها لدى أمين المكتبة في المركز الثقافي في الحسكة مقابل الإعارة الخارجية للكتب».
بعد توثيقه حياة البابا شنودة، وزيارة البابا يوحنا بولس الثاني إلى دمشق (2001)، ووقائع المقاومة اللبنانية، ويوسف العظمة، وجورج حبش، وسمير القنطار، وعشرات الشخصيات الوطنية العربية والعالمية ـــ «بصرف النظر عن إيديولوجياتها» ـــ صبّ الحقوقي السوري اهتماماته في السنوات الأخيرة على أرشفة التاريخ السياسي السوري. هكذا أنجز سلسلة كتب توثيقية قيّمة كان أوّلها «سجل الحكومات والوزارات السورية: 1918ـــ 2010» (دار الشرق)، ثمّ «سجل الدستور السوري» (دار طلاس)، و«المؤتمر السوري ـــ برلمان الاستقلال لبلاد الشام» (دار الشرق). في مجمل كتبه، يعمل صاحب «البناء السوري: وحدة التنوع والتعدد» (دار الشرق)، من موقع المؤرخ المحايد من دون أن يتدخّل في مجرى الأحداث، مكتفياً بمقدمة مختزلة تضيء وقائع الحراك السياسي في جغرافيا مهتزّة، بقصد إنعاش الذاكرة الوطنية، خصوصاً لدى الجيل الشاب، ذلك أن معظمهم «يجهل المحطات المفصلية في تاريخ بلاده، والصراع على سوريا، ومحاولات تزوير وتشويه الحقائق التاريخية القريبة والبعيدة». هكذا راح يجمع وثائق نادرة ومجهولة من مراكز التوثيق في القاهرة وبيروت وباريس، إضافةً إلى الصحف السورية القديمة... وإذا به أمام أرشيف ضخم، لم يكن متاحاً في المكتبة العربية.
صدى صوت الزعيم جمال عبد الناصر في مسمع الطفل الجزراوي، وهو يهتف باسم العروبة، من شرفة مبنى غرفة الزراعة في الحسكة، أعاده أخيراً إلى تلك الحقبة المشرقة.. فجمع وثائق الوحدة السورية المصرية، وأبرزها خطابات عبد الناصر وميثاق الوحدة، وصولاً إلى لحظة الانفصال، مؤرشفاً وقائع 1313يوماً، هي عمر هذه الوحدة (1958 ـــ 1961). سيتوقف عند الرسائل المتبادلة بين عبد الناصر والرئيس السوري شكري القوتلي (1891 ـــ 1967) التي انتهت بتنازله عن الحكم من أجل تحقيق الوحدة، في مأثرة غير مسبوقة لحاكم عربي.
السجال الساخن حول الدستور السوري الجديد، يقودنا إلى استعراض الحياة الدستورية السورية. يخبرنا مازن صباغ بأنّ هذا الدستور هو الرابع عشر في تاريخ البلاد، منذ إعلان استقلال المملكة السورية (1918) خلال ما عرف بالمؤتمر السوري العام الذي نادى بمبايعة الملك فيصل. ويؤكّد أنّ الانقلابات العسكرية أطاحت الحياة الدستورية بدءاً بانقلاب حسني الزعيم، وما تلاه من انقلابات لاحقة. «صنع العسكر دساتير على هواهم، لكنّهم فشلوا في تنفيذها، وإعادة الحياة البرلمانية إلى الوراء، في بلاد لطالما تطلّعت إلى دستور عصري وعلماني، متأثرة بالقوانين الأوروبية وفكرة التنوير»، يقول. ويلفت إلى أنّ أفضل دستور عرفته سوريا، هو دستور 1950، هذا الدستور الذي أوصى بفصل السلطات، واعتبر الإسلام أحد مصادر التشريع. يوضح شارحاً: «كل الدساتير السورية راقية في مبادئها لجهة تأكيدها على حرية التعبير، وحقوق الفرد، ومنع التعذيب، لكنّ العبرة في التطبيق، فما الفائدة من دستور تقيّده لاحقاً قوانين قراقوشية تضع سيادة القانون في دهاليز دهاقنة التفسيرات؟». الدستور الجديد كما يراه البرلماني السابق، «خطوة نوعية في تحقيق التعددية السياسية، وفرصة في المنافسة بين الأحزاب نحو علمانية تحقّق المواطنة لكلّ أطياف الشعب السوري». ويضيف: «هذا لا يعني أنّ هذا الدستور لا يخلو من السلبيات، خصوصاً لجهة دين الرئيس، وقانون الأحوال الشخصيّة، فما الذي يمنع من تشريع الزواج المدني في مجتمع متعدّد المذاهب؟». نتركه غارقاً في فرز وثائق جديدة، تتعلّق هذه المرّة بالفروقات بين الدستور الجديد، ودستور 1973، ووثائق أخرى بخصوص «الرقابة الدستورية على القوانين في سوريا، وأهمية تفعيل دور المحكمة الدستورية العليا»، سوف ترى النور قريباً.




5 تواريخ

1953
الولادة في الحسكة (شمال سوريا)

181
تخرّج من «جامعة دمشق»
حاملاً إجازةً في الحقوق

2006
نال وسام الاستحقاق اللبناني

2010
عمل على توثيق «سجل الحكومات والوزارات السورية: 1918 ـــ 2010» في كتاب صدر عن «دار الشرق»

2012
صدر له أخيراً «وثائق دولة الوحدة
بين مصر وسورية» (1958/1961)