أمضى ضياء العزاوي (1939) نصف عمره في بغداد، ونصفه الآخر في لندن. لكنّه لا يزال يُبدي ندماً على تأخُّره في مغادرة العراق. الخروج المتأخر أنضج تجربة الرسام العراقي الذي يقف على حدة في خريطة التشكيل العراقي والعربي، لكنه أجَّل احتكاك هذه التجربة بالخارج. إنه ندمٌ فني متحصلٌ من العيش في مكانٍ يصعب فيه تحصيل معرفة حقيقية بما يحدث في عالم الرسم. هكذا، ازداد ضغط الهوية والموروث على حساب التجريب. لم تكن الهوية أمراً مستهجناً على أي حال، إلّا أنّ الانهماك بها، والدفاع عنها لم يكونا ممارسة حميدةً بالكامل. ظلّت روح عراقية واضحة تظلّل النتاج الثقافي العراقي. حدث ذلك في الشعر والعمارة والغناء. كانت هناك مغامرات وريادات، لكنّها ظلت محكومة بتقاليد صارمة. تزامنت حداثة الشعر العراقي في قصائد السياب ونازك الملائكة والبياتي، مع سعي جواد سليم وأقرانه إلى تحديث الرسم والنحت، من خلال تأسيس جماعات كانت أشهرها «جماعة بغداد للفن الحديث» (1951). عاصر ضياء العزاوي السنوات الأخيرة من تلك الحقبة، وكان عضواً في «جماعة الانطباعيين» (1961)، ومن مؤسسي «جماعة الرؤية الجديدة» ( 1969) و«جماعة البعد الواحد» (1970). كان صراع الهوية والحداثة مادة أساسية في بيانات تلك الجماعات، وفي نتاج أعضائها أيضاً.

دراسته للآثار في كلية الآداب، إلى جانب الرسم في «معهد الفنون الجميلة»، جعلت مسألة الهوية أكثر رسوخاً في تجربة العزاوي. هكذا، ظهرت في أعماله الأولى عيونٌ واسعة، وأشكال بشرية، وحيوانية شاعت في فنون بلاد الرافدين، إضافة إلى تخطيطات تستثمر أشكال السجاد والأقمشة الشعبية. كان التشخيص حاضراً وممزوجاً بلطخات تجريدية. مكوّنان أساسيان سيواظبان على الحضور بأساليب متعدّدة في أغلب أعماله ومشاريعه اللاحقة، بينما سيتكرّس ما يمكن تسميته «فنّاً شخصياً»، لا يتأخر المتلقي في الاهتداء إليه.
في بيروت، حيث التقيناه منسقاً لمعرض «الفن العراقي المعاصر» ومشاركاً فيه، يستعيد العزاوي كيف وُلد في عائلة لا علاقة لها بالفن. يتذكّر فقط أنّ عمه العسكري تعلم الرسم لأنّ دورات الضباط في إسطنبول كانت تتضمن دروساً في الرسم. لم يفكر في الرسم في البداية. كانت تستهويه الأعمال اليدوية. في المرحلة الثانوية، ظهرت موهبته. «أستاذ مادة الرسم انتبه لي، وشجّعني على المضي في هذا الاتجاه». تزامن ذلك مع فصله من المدرسة، بسبب مشاركته في تظاهرات تأميم قناة السويس، لكنّهم أعادوه إلى الدراسة لأن الملك كان سيزور بعض المدارس. أُعجب الملك بلوحة له، وطلب أن يقابله في القصر لاحقاً. سأله إن كان يريد إتمام دراسته في الخارج. «كنت أقول له شكراً أستاذ، بينما المدير الذي اصطحبني كان ينظر إليّ بغضب».
بعدها بعامين، أُطيح الملك، وطارت الفرصة التي كان قد نسيها على أي حال. انتسب إلى «قسم الآثار» في كلية الآداب. لقاؤه بحافظ الدروبي أحد مؤسسي «جماعة بغداد»، كان منعطفاً في حياته. الدروبي الذي كان أستاذاً في «معهد الفنون الجميلة» شجّعه على دراسة الرسم ليلاً إلى جوار دراسة الآثار نهاراً. انضم إلى مجموعة أستاذه، وشارك في معارضهم. حفاوة الصحافة بأعماله عزّزت ثقته بموهبته.
معرضه الفردي الأول سنة 1964، فتح عليه نافذة الخارج. «كان يوسف الخال في زيارة لبغداد وقتذاك، وعرض استضافة معرض لي في «غاليري وان» في بيروت. كتب جبرا إبراهيم جبرا تقديماً للمعرض الذي لم أحضره بسبب خدمتي في الجيش». في منتصف السبعينيات، بدأت فكرة السفر تلحّ عليه. كانت الممارسات المحلية قد بدأت تضيق برغبته في ارتياد آفاق مجهولة. مشادة طارئة بينه وبين رئيسه في مديرية الآثار، كانت ذريعة مناسبة لذلك. قدم استقالته، وسافر إلى لندن. هناك بدأت ولادته الثانية. صار ضياء العزاوي اسماً عربياً وعالمياً، بينما تكفّلت معارضه في أغلب العواصم العربية والأوروبية والأميركية، في خلق نوعٍ من الإجماع على إمضائه المسجل أسفل لوحات ومنحوتات وأعمال طباعية ومخطوطات تشكيلية وشعرية عدّة.
لم ينفِهِ المنفى الاختياري عن هويته الأصلية التي راحت تتعافى من حدودها الضيقة. يقول إنّ «الآخر صار متواضعاً وحقيقياً وملموساً أكثر مع استرخاء الهوية وتواضعها». لا يزال يتذكر لقاءه الأول بفرانسيس بيكون، وتأخره في اكتشاف كليمت وفرانك ستيلا وتايبيس. كل تلك اللقاءات المتأخّرة وسّعت لديه النظرة إلى الذات. صار سهلاً أن يخرج من اللوحة ويعود إليها. هكذا، حوّل الحرف العربي إلى مادة تجريدية، بعدما صارت «الحروفية» اختزالاً فقيراً للوحة العربية.
اشتغل ضياء على مقتطفات ونصوص لشعراء مثل السياب وأدونيس ومحمود درويش وسركون بولص. عاد إلى جلجامش والمعلقات والواسطي و«مقامات الحريري» و«طوق الحمامة»، وكتب نصوصاً تشكيلية موازية لاستعاراتها ومعانيها الخالدة. أدخل الخشب والمعدن إلى فضاء اللوحة التقليدية. أنجز لوحاتٍ على شكل كرسي وميني بار ومجسمات أخرى ثلاثية الأبعاد. لم يَغِبْ الموقف الأخلاقي والسياسي عن الموقف الجمالي والتجريبي في أعماله. وضع مجموعة رسوم بموازاة قصيدة محمود درويش «أحمد الزعتر» (نشرت الرسوم مع القصيدة في كتاب)، مؤرّخاً على طريقته لمجزرة تل الزعتر. الفنّان الذي لم يبتعد يوماً عن مآسي العالم العربي، هو قبل كلّ شيء صاحب الجرح العراقي المفتوح الذي أعيته الدكتاتورية والحروب والاحتلال.
يتذكر جدارية «صبرا وشاتيلا» التي أنجزها تحت تأثير صور المجزرة المروّعة وشهادة جان جينيه حولها. يبتسم بمرارة: «نجت اللوحة بعد بقائها في متحف الكويت الوطني خمس سنوات بموجب اتفاقٍ انتهى مفعوله قبل أيام من غزو صدام للكويت». في التسعينيات، بدأ العمل مع فنانين في الداخل على إنجاز مشروع «دفاتر الفنان». كان ذلك أشبه بتأريخ بصري للحياة العراقية ووقائعها السياسية والاجتماعية. تنوعت موضوعات الدفاتر بحسب زمن إنجازها وأمزجة فنانيها، وحين عُرضت ضمن جولة في الولايات المتحدة، وضع العزاوي نسخته من «مقامات الحريري» بدايةً للمشروع. هكذا بدت الدفاتر «استئنافاً لتجربة تاريخية تعود إلى القرن الثالث عشر». التعاون في مشروع الدفاتر استُكمل لاحقاً بتنظيم معارض مشتركة لهؤلاء الفنانين الذين خرج معظمهم من العراق، وباتوا يمتلكون بصماتهم الشخصية.
حالياً، يقضي العزاوي أغلب وقته داخل محترفه في ضاحية «وايت سيتي» شرقي لندن، بينما أعماله مقتناة في عدد كبير من المتاحف والمجموعات العربية والأجنبية. الرسام الذي تحول اسمه إلى ماركة فنية مسجلة، انتهى أخيراً من إنجاز مشروع جديد قائم على صور فوتوغرافية ملتقطة في غزة. نسأله عن عودة محتملة أو زيارة للعراق؟ «أبداً» يجيب بشكل قاطع. يتحدث عن وصية كانت تقضي بوهب معظم أعماله لمتحف عراقي، لكنه مزقها بسبب اشمئزازه وألمه من المصير الذي انتهى إليه وطنه. يقول إنّه خرج بنيّة عدم العودة. «أتصور أن عودتي ستُفقدني العراق كحلمٍ بعدما فقدته كمكانٍ أول».




5 تواريخ


1939
الولادة في بغداد

1964
تخرج في «معهد الفنون الجميلة»، وأقام معرضه الشخصي الأول

1976
انتقل للعيش في لندن، حيث لا يزال مقيماً حتى اليوم

2001
معرض استعادي لأعماله في «معهد العالم العربي في باريس»، وصدور مونوغرافيا ضخمة عن تجربته مع مقدمة للشاعر الفرنسي آلان جوفروا، ودراسة للناقد والشاعر شاكر لعيبي

2012
معرضه الجديد الذي افتتح في الدوحة أواخر العام الماضي، ينطلق من صور فوتوغرافيّة التقطت في غزّة