يمتدح عبده وازن في كتابه الجديد «غرفة أبي» (منشورات «ضفاف») الذي سمّاه «رواية سيرذاتيّة» ناحتاً العبارة الأخيرة، يمتدح الأسود والأبيض: «صُوَر تفتح نافذة ولّدتها المخيّلة فتروح تلوّن المنظر كما تشاء، تلوّن العالم كما تحبّه أن يكون. ناهيك بجماليّة الأسود والأبيض، هذين اللونين المتنافرين اللذين يمتزجان امتزاجاً سحريّاً فيتناغمان خالقين لوناً ثالثاً لا هو بالأسود ولا هو بالأبيض». ويتابع متذكّراً صورةً لأبيه كانت بالأسود والأبيض ولوّنها مصوّر أرمني: «ما قُدّر بالأسود والأبيض لا يمكن تزييفه بالألوان. لم يكن لوناً الأسود والأبيض، كان قَدَراً. إنّه اللون الذي لا لون له، ليس هو بالأبيض ولا هو بالأسود بل هو كلاهما معاً، وكلاهما منفصلين».


يخاطب الكاتب أباه في رسالة تأخّرت عقوداً، أصبح خلالها الابن أكبر سنّاً من أبيه: «لا أدري، أيّها الأب، كأنّني أنا الأب والابن (...) أشعر أنّ الرسالة تحمل ملمحاً قَدَريّاً، والقَدَر هو ما عملت طوال حياتي على الهروب منه لا مواجهته. ليصنع القدر نفسه».
تملأني مطالعة عبده وازن بالكآبة. حتّى في حال الغضب لديه يبعث على الحزن. لا أميّز كثيراً بين الكآبة والحزن لكنّي أحاول تجنّبهما عند جبران، مثلاً: هنا لا يُحتملان. الفرق أنّ الكآبة لدى عبده وازن ليست مشهداً رتيباً معاداً ومكرّراً ومدعّماً بالتشابيه والصور الخارجيّة. كآبته جزء لا يتجزأ من نسيجه النفسي ومن لغته الطبيعية، لغته الموحية المفعمة بالماضي المفتوحة على الشكّ المغموسة بجرن الأسى، لغته الحاملة كآبتها بذاتها. إنّه واقعي وغيومه غيوم الواقع اليومي، غير أنّه واقع يومي إيقاعه الشعر وأفقه غير محدود بمواقف مسبقة جامدة، بل هو مشرف على منفتحات الشعور والمنحنيات.
يمزّق القلب كلامه على شقيقته الصبيّة تريز في مرضها واحتضارها. «في الأيّام الأخيرة لم أعد قادراً على رؤيتها. (...) الألم يتضاءل في مثل هذه اللحظات. تمسي أنت مشاهداً وتعتاد مثل هذا المشهد الرهيب. ليس ما هو أقوى من نظرات شخص يحتضر. يعرّيك بتلك النظرات، يفضحك، يذلّك، يقهرك، ولكن بغير قصد منه. تشعر أمامه أنّك أنت مَن يحتاج إلى الشفقة (...) وقد تشعر أيضاً أنّ المحتضر هو الذي يعينك لتقف أمامه وتنظر إليه».
في أثناء احتضار زوجتي، كنتُ جالساً قربها ممسكاً بيدها أحاول تطمينها رغم هلعي. فجأةً سحَبَتْ يدها من يدي وداعبت جبيني وعينيّ هامسةً لي: «ليش... مقهور؟». كانت لحظتها أُمّاً. قدّيسة. هي تؤاسيني. تقوّيني. تعطيني الرحمة والقوّة. في لحظةِ احتضارها تُشبّثني بالحياة. مَن يقدر يوماً أن يكافئ المرأة؟
يواصل عبده وازن مخاطبة أبيه بكلّ أصناف المعنى. ويتساءل مختلف أنواع التساؤل ما بعد الغياب. هنا غياب الأب. «ليست الكلمات هي التي تقال بل ما وراءها، ما تحتها، ما يظلّ صامتاً فيها». ويوجعه أن يُبغَض الأب: «أحد الأصدقاء لم يزر أباه مرّة خلال احتضاره الطويل، وعندما توفي لم يشارك في جنازته ورفض تقبّل التعازي. لا أعتقد أنّ أحداً بلغ شأو هذه القسوة. يقتل الابن أباه حيّاً أمّا أن يقتله ميتاً فهذا أمر يتخطّى القتل نفسه».
يجول المؤلّف في كتبٍ لمفكّرين وأدباء عديدين تداولوا موضوع الأب، من كيركيغارد ونيتشه إلى محمد شكري، ويفرد صفحات مختلجة لتجربة المسيح، كيف ولد لأبوين بشريّين وتطوّر بصوفيّته حتّى التحوّل إلى ابن الأب الذي هو الله. وحتّى الله الأب تخلّى عن ابنه على الصليب فاضطرّ الابن إلى التسليم للأب بمشيئته الغامضة.
ينقاد عبده وازن لحدسه. لدهشة طفولته. يسكن هناك، حيث المشاعر سيّدة، وحيث الحقائق أجمل وأقرب إلى الحقيقة. ويكتب تحت هذا السقف وفي هذا المناخ. يأخذك إلى الخليقة قبل آدم. هل كان آدم بلا أب؟ يتساءل. ويجيب: «أعتقد يا أبي أنّ آدم لم يولد وحيداً على هذه الأرض. عندما نهض من نومه الأزلي وفتح عينيه وجد من حوله أشخاصاً يشبهونه. كذلك حوّاء (...) مثل الأشجار التي نبتت معاً. مثل البهائم التي وُجدت معاً (...) أصبح الإنسان روح الأرض. وما دام الله مستقبله فهو سيمضي في إنسانيّته مكتشفاً سرّ كينونته». ويضيف: «كان آدم بلا أب. ما أصعب أن يولد الإنسان أباً للحين، أن يولد بلا أب فيصبح أباً لأبناء لا أجداد لهم (...) هذا هو أبو البشريّة الذي أصيب بالحيرة منذ أن فتح عينيه: ماذا جئت افعل هنا؟ سأل نفسه بصمت. ولم يلقَ الجواب إلّا بعد عصور. ربّما».
لا يرتوي القلم من نقل الاستشهادات. يكتب عبده وازن عن بيروت مراهقته، ساحة البرج وشارع المتنبّي وفلافل فريحة وسينما ريفولي. اختلاط اللبنانيّين بعضهم ببعض. البحر الغريب. الأفلام المصريّة. الجنس الرخيص. وكيف أنّ بيروت هذه لم تعد موجودة. «لا نرى إلّا ظلالاً، ظلالاً لأشخاص كانوا ورحلوا إلى زواياهم (...) حتّى مقاهي المدينة لم تبق. حتّى الأرصفة التي كانت تلمع كالمرايا. حتّى ليل المدينة لم يبق. الليل الهادئ المجنون، الساحر، المنحني حتّى أوّل الضوء».
ثم يمرّ على بقيّة الأحياء القديمة مرور الأسى، مع وقفةٍ عند الجمّيزة، التي حافظت على اسمها رغم انقراض شجرة الجمّيز.
كلّ هذا وغيره في ظلال الأب. الحديث إلى الأب. أب رحل شابّاً ولم يتملَّ الابن منه. قلّما طالعتُ أدباً عن علاقة ابن بأبيه. دون جوان ارتطم بوالد آخر معشوقاته. بالضمير الصنم. موزار ضحيّة أبيه وصنيعته العبقريّة لم يجهر بأزمته مع أبيه إلّا في آخر نتاجه، «دون جوان». سهيل إدريس كشف أباه في الجزء الأوّل من مذكّراته، وكان الأمر أشبه بالانتقام. الأب معظم الأحيان موقَّر. لا تشوبه الهشاشة ولا تحيط به الظنون، وعندما يعتاد نمطاً من السلوك، كالخمر أو القمار أو سباق الخيل، أو حتّى سلوكاً جنسيّاً فضائحيّاً، يبقى ضمن المعايير المتسامَح حيالها ولا يُدان بأكثر من عقاب مع وقف التنفيذ خلف ستائر المهابة.
يستمرّ المونولوغ أمام مرآة الذات، أمام الأب الذي أمسى صورة. وتستمرّ محاولات الابن الحثيثة لمعرفة أبيه. ومَن ذا يعرف أباه؟ يعرف الولد أمّه من خلال تقديسها إذا ضعيفة وحنونة ومن خلال بغضها إذا مسترجلة ومستبدّة. لكن نادراً ما يعرف الابن أباه، لأنّ أقنعةَ الأب سميكة وصدريّته حديديّة. قد يكون الأب الجاثم الأكبر وقد يكون الهارب الأكبر.
هل يقف عبده وازن خلف الأب أم أمامه؟ بل هو يحتويه. يغدو أباً لأبيه. قال آراغون إنّ مستقبل الرجل هو المرأة. لم يقل ما هو مستقبل الأب لأنّ مشكلته مع أبيه أنّ هذا _ وكان مديراً للشرطة _ لم يعترف به. لعلّ مستقبل الأب أن يصير ابناً لابنه. وابناً لبنته. وابناً لكلّ حفيد من أحفاده. هل نتذكّر ذلك الفيلم الذي راح البطل فيه _ وأظنّ أنّ ممثله كان براد بيت _ يصغر ويصغر حتى عاد طفلاً؟ وفي الواقع، العجوز يعود إلى الطفولة. مع فارق السن.
وهكذا أصبح عبده وازن أباً لأبيه فيما أبوه أوغل في العودة بالعمر حتّى الاختفاء.


لا تغرق في التفاصيل

هل يجب أن يمرّ العاشق بقبول نقاط الضعف والبشاعات عند المحبوب؟ الحبّ لا يرى نقاط ضعف ولا بشاعات. الحبّ الحقيقي أعمى. خذ الجمال بكيميائه. خذ الجاذب بكيميائه. لا تغرق في التفاصيل. مَن يبصر هو الطبيب، الجرّاح، الفيزيائي والكيميائي والجغرافي. العاشق مثل المطر، حيث يقع يُخصب، يُنبت الخضار. الحبّ ربيع بفراشهِ ونحلهِ وعصافيره ودبابيره. ما نحن إلّا مساكين لا يُبرّئنا غير ذلك النداء الغامض. لا مجد في هذا غير مدى القدرة على تركيز نظر العبادة إلى الكائن المعبود.


حميميّة (2)

تضايق قرّاء من الحميميّة السابقة. لم يعرفوا مَن هم العديدون من الأشخاص الذين ذكرتُهم. وهم في هذا على حقّ، لكنّ طبيعة المقال لم تكن تسمح بإيراد نبذةٍ عمّن ذكرت. ليت ذلك يشكّل حافزاً للقرّاء غير المطّلعين للبحث عن مصادر تضعهم على تماس مع أولئك الأشخاص. كلٌّ منهم يستحقّ. واعتذار عن الحميميّة التالية، فهي تتمّة في السياق ذاته:
علي الجندي الجنسي. إحسان عبد القدّوس الهشّ. يوسف إدريس اللاذع. مارسيل خليفة الشاعر. كوليت خوري الشاميّة اللبنانيّة. عبد المنعم رمضان الشقيق المصري. يواكيم مبارك المقهور. ميشال الحايك الشاعر. خليل أبو نادر الكاهن الصارم والمطران العطوف. كمال جنبلاط البريء. منح الصلح الكاشف. رئيف خوري الأستاذ. وضّاح فارس ظالم نفسه. هبة قوّاس صبيّة صغيرة تفاجئني بقولها: «ألّفتُ قطعة موسيقيّة»، وتُسمعني إيّاها. جوزف طرّاب محيط المحيط. أندريه بركوف الشريف الإباحي. هاني أبي صالح المقتول عنّا جميعاً. سمير الصايغ الصوفيّ العقلاني. جورج خضر الأخضر دائماً. محمد الفيتوري خافض الجناح. غالي شكري الخجول. سامي مكارم الغامض. سعاد الحكيم وكفى. كمال الصليبي الوحيد التائه. يعقوب الشدراوي المحتضِن. بسّام حجّار المظلوم. صباح الحرّة. شفيق عبّود الصادم. ميشال المير مَن يعرفه؟ أمين الباشا باريس بيروت. فيلمون وهبه أطول ينبوع. ليليان يونس الصافية. تقلا شمعون المخلصة. مها الخال الصابرة. ورد الخال البارعة.
وأيضاً:
نوري الجرّاح الراغب ثباتك. أمجد ناصر الفرح بتجَدّدك. إبراهيم سمعان ممدوح الكبار. عبد الله قبرصي العقائدي المرح. وفاء نصر الصداقة. جانين ربيز ليليت. سعاد نجّار الملكة الراعية. غدي فرانسيس سوريا الطبيعية. أندريه جدعون الملعون. خليل رامز سركيس الأبيض. رشا الأمير البوهيميّة الأنيقة. لقمان سليم التوتّر العالي. فريد الأطرش «العود في السيّارة». جبرا إبراهيم جبرا الصاحي بلا توقّف.
جاك بريفير تجلّي حتميّة الصدفة.
أوجين يونسكو المذعور.
جورج شحادة العصفور.





عابرات


كان مرحاً، فلمّا أسعدتِهِ بات مهموماً...

الحبّ حنين.

تلك دوماً ملكة وستائرها بيضاء.

أيّاً كان ما (أو مَن) نؤمن به يجب أن نهدّده إنْ لم يستجبنا.

هكذا كان يفعل يهود التوراة مع الله. ولعلّهم كانوا على حقّ.

يفكّر فيها بتركيزٍ تُشعرها قوّته أنّه يَحملها.

ما يشرّف الإنسان هو أن لا يقول أمام الموت إلّا ما قاله قبله.

الحبّ الذي لا ينتهي تماماً جريمةٌ لم تكتمل.

لا تسأل امرأةً لماذا تحبّك بل: هل تحبّك؟

اذهبي من وجهي أيّتها الغيرة! أنتِ الموت!