يقول الناشط المصري علاء عبد الفتّاح في مقال نشره من داخل سجنه إنّ «التوحد صورة بلاغيّة لحالنا». كلام دفع الموسيقي المصري مصطفى سعيد الذي تعرّف إلى علاء في السجن إلى تأليف موسيقى مستوحاة منه تحت عنوان «توحّد». بين توحّد علاء في سجنه، وتوحّد مصطفى في السجن الكبير، محاكاة لألم واحد يطوف الدول العربية. ألم التناقض بين غير المبالين بما تؤول إليه حال بلادهم، وآخرين مصابين بأمل التغيير وبالتوحّد، فقدوا القدرة على التواصل مع أبناء بلدهم، كما القدرة على الانصياع.


لكن «المنهج الضمني» كما يصفه عبد الفتاح الذي تعتمده الأنظمة الحاكمة عُرفاً، يجعل هؤلاء الأخيرين منبوذين ومعزولين، لا يَفهَمون من حولهم ولا يُفهِمون. ماذا تريد مجموعة «أصيل» للموسيقى العربيّة الفُصحى المعاصرة بعرضِها «توحّد» الذي تقدّمه اليوم في بيروت بالتنسيق مع «مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية»؟ تلك المجموعة التي أسّسها مصطفى سعيد (عود) عام 2003 بنواة تخت شرقي تضمّ إلى جانبه عازف القانون اللبناني غسان سحاب (إشراف تنفيذي أيضاً)، وعازف الناي المصري محمد عنتر، قبل أن تتوسّع لتضم اليوم 12 موسيقياً. إلى جانب الأسماء المذكورة، تتألف الفرقة من خليل البابا (كمان صغير ــ فيولينا)، وعبد الرضا قبيسي (طنبور بغدادي وطنبور اسطنبولي)، وعلي الحوت (رقّ ــ إيقاع)، وجوس تورنبُل (دُمبَك ودهُلّة ــ إيقاع)، وبلال بيطار (سنطور)، وفرح قدّور (عود صغير)، وأنطون حوّاط (كمان كبير)، ورضا بيطار (كمان وسط)، وفراس عنداري (عود كبير). بعد ألبومَي «رباعيّات الخيّام» (ترجمة أحمد الصافي النجفي ــ 2008)، و«أصيل» في 2009، وحفلات عدّة أهمّها وآخرها «البُردة» في 2014 (شعر تميم البرغوثي)، تقدّم «أصيل» الليلة «توحّد». إنّه عمل يضم قوالب موسيقية تقليدية منها «الدولاب» و«التّقاسيم». هو تجريب موسيقي لا يكتفي بما كانت الفرقة تقدّمه سابقاً من تجديد من الداخل وتطوير لقوالب موسيقيّة أصيلة. هل هو تجريب شرقي؟ لا. فالتجريب الموسيقي الذي نشهده منذ منتصف القرن العشرين يعتمد أساساً على نقل أصوات الحياة، والصناعة، والتكنولوجيا إلى المسرح. ليس هذا تجريب «أصيل»، لأنّها تذهب بالمغامرة إلى أقصاها وأقساها. تنقل تلك الأصوات أيضاً، لكنّها تحملها بعنف شديد، وتُسقطها من علوٍّ مرتفع قاتل في وسط الجمل النغميّة. إسقاط يحاكي القصف الممنهج والعشوائي اليوم في بلادنا. تُشعرنا الفرقة بأنّ تجريبها مكتوب علينا، كأنّه واقعنا، فتعطي الآلات أصواتاً متفلّتة أحياناً، وغير متزامنة أحياناً أخرى، وفجأةً يعمّ ذاك الانسجام التّام، بعيداً من الانصهار الموسيقيّ. هكذا نحن اليوم. نتخبّط ما بين أصيل وهجينٍ، نريد ولا نريد، نجرّب كثيراً ونعمل قليلاً. ومنّا أكثريّة صامتة مخيفة، وأخرى مغامرة عابثة، وقلّة كـ «أصيل» ما زالت تجرّب، لكنّها تُشعِرنا بأنّها تعلم ماذا تفعل.
يسأل علاء عبد الفتاح في مقاله: «ما الأسهل؟» التّماشي مع الظّلم وتدريب «المتوحّدين» على قبوله، أم إقناع المجتمع باستحالة الحياة معه؟ هنا، نتساءل مع «أصيل»: ما هو دور الموسيقى في وجودنا المهدَّد؟ هل يسهم موسيقيّونا في تهديد وجودنا أم في إنقاذنا، عبر توجّهاتهم الانتاجيّة وعبر مصادر تمويلهم وعبر خضوعهم أو تمرّدهم على العرض والطلب في أسواق الموسيقى العالميّة؟ يبدو أنّ «أصيل» اختارت البقاء والرّفض ونهل الجديد من التاريخ الثقافي والحضاري. اختارت مغامرة معالجة التوحّد والأمل بالتواصل والتمرّد. لقد اختارت الصعب. أما الوقت الّذي أنضج تجربة «أصيل» فهو نفسه الذي سيُفهمنا قيمة هذه التجربة/ المغامرة.




«توحد»:20:30 مساء اليوم ــ «مسرح مونو» (الأشرفية ــ بيروت). للاستعلام: 01/202422