أيتها الحبيبة الساحرة إيتيل

كيف تركتنا في بحر هائجْ وعلى شفير الهاوية وفي ضياع تام وأنت التي كنت دائماً متفائلة ومتأكّدة بأنّنا سوف نصل إلى برّ الوحدة والأمان والثقافة والفن...
أين ذهبت وتركت هذه الأمة تتخبّط وتنازع نزاعها الأخير بين التفتيت والعوز والفقر والتّيه. أكيد لم تقومي بذلك عن قصد ودون تخطيط أكيد، لكنّك زرعت فينا ومنذ أكثر من نصف قرن هذا الأمل وزرعت فينا الكثير من التحدّي في شتّى المواضيع، وزرعت فينا الإقدام والعناد، ودافعت عن كل ما هو أساسي في الحياة وعن ما هو محظور دون خطابات، دون كلمات إلا في قصيدة وألوان وألوان لوّنت فيها هذا العالم، عالمنا، حتى أنّنا صدقناك دائماً، ومشينا على تلك الطريق الوعرة نحو الأمل والشفق الزهري.
أيتها الحبيبة ايتيل الغالية على قلوبنا، لقد كنت انتظرك. ورغم سنواتك الطويلة المليئة، فوجئنا بذهابك إلى المجهول، ونحن حسبنا أننا سنحتفل في القدس ونأكل البرتقال، وفي دمشق نزيّن شعرنا بالياسمين، وفي بغداد كنّا سننتظر قيام المدينة، ونحن نجلس في ديار نهى الراضي ننظر إلى المئات المئات من شجر النخيل على مدّ النظر. وكنت تريدين أن تعيدي النبض إلى بيروت، ونحن لم نترك هذه المهمة، ونحن آمنّا أنّك سوف تزورين المسرح والحمرا وبيروت، وتتمشّين وتلقين الشعر عن جنين وعن بيروت، وقد وعدتنا أننا لن نموت قبل ذلك... بل سنجعل من بيروت ولبنان مكاناً حراً غير طائفي وغير متمسّك إلا بالأرض والتاريخ والحضارة والحاضر والمستقبل. وبين قصيدة وقصيدة، كنت تريدين أن تضخّي الحياة وأن تنقذي المسرح، أوكسجين المدينة ومنارة روحنا: «لا تقترفي هذه الجريمة بحق الشباب والمجتمع وتقفلي المسرح يا نضال» كنت تقولين لي. وعدتني أننا لن نموت قبل ذلك. هل نسيت؟ كم قلت لي أن أتشبّثْ بهذا المسرح، وأن أبقيه منصّة حرّة مفتوحة يسكنه الريح والفن والثقافة ودعمتني دائماً، وساعدتني بالفكر والمادة، وبعثت لي ما استطعت وكلّما استطعت.
لقد نسيت لا شك أنّ هناك الكثير الكثير لنفعله لإنقاذ مدينتنا بيروت ممّن يلحقون بها الأذى بجشعهم وأميّتهم واستفحالهم للتدمير والتدمير والتدمير... والغباء. أنا متأكدة أنك نسيت وتركتنا على شفير الهاوية.
كيف تركت هذه الأمة وهي في ضياع تام، أنتِ التي آمنت بالوحدة والانفتاح؟
أنت وسيمون نجمتان مشعّتان ربيعيّتان في زمن العتمة وصديقتان في عبّ الروح، كنتما تطلّان علينا أيام العز كقوس قزح.
وعندما قمنا بتكريم ايتيل في المسرح على مدى خمسة أيام، جاء أصدقاؤها من اليونان وفرنسا وألمانيا وأميركا وسوريا والأردن للحضور والاشتراك معنا في تكريم ايتيل الرسامة، الكاتبة المسرحية وايتيل الشاعرة، وايتيل أستاذة الفلسفة، الأديبة والصحافية.
نحن ننازع نزاعنا الأخير يا ايتيل، هذه الأمة العظيمة تتآكل من الداخل وتؤكل من الخارج ولا من معين ولا من وعي ولا من يحسّ بكارثة فقدانها.
هناك الكثير من المدن التي اندثرت وماتت ولم يعد يذكرها أحد!؟
على كلّ يا عزيزتي، لا تنظري وراءك أينما كنت، حتى تشاهدي ما يجري لنا لأنك سوف تشعرين باليأس وسوف تشعرين بالضياع... لما نحن عليه.
اذهبي بأمان الله وقلبك الكبير مليء بكل ما صنعت وشاهدت من جمال. سوف نحبك ونذكرك دائماً.