قبل بضعة أيام نقل التلفزيون نبأً لم ينل في رأيي ما يستحقه من تأمل واعتبار. ففي خضم أزمة صحية واقتصادية وسياسية خانقة تحاصر الولايات المتحدة، صوّت الكونغرس الأميركي، وتبعه مجلس الشيوخ، على قانون يلزم الإدارات المتعاقبة، بأن تمنح إسرائيل 38 بليون دولار على امتداد السنوات العشر المقبلة، أي 3,8 بلايين دولار سنوياً، وذلك من جيب دافع الضرائب الاميركي الذي يعاني معدلاً من البطالة لا مثيل له إلا في عشرينيات القرن الماضي. وهذا في الوقت الذي تقول لنا فيه المعطيات والأرقام إن الاقتصاد الاسرائيلي هو على العموم بخير، ولا يعاني من خانقة اقتصادية أو كساد مهلك، وأن معدل دخل الفرد فيها أعلى بكثير منه في العديد من الولايات الاميركية.

وربّ قائل: وما هي البلايين الثلاثة سنويّاً وقد أصبحنا اليوم في عصر التريليونات؟ لكني، لو كنت نائباً عن إحدى الولايات الأكثر فقراً في أميركا، أي وست فرجينيا ومسيسبي وأركنسو، وفيها العديد من المجتمعات التي ترزح تحت خط الفقر، هل كنت سأغضّ الطرف عن 38 بليون دولار من المساعدات؟ كيف أواجه الناخبين وأفسّر لهم أن مساعدة إسرائيل هي أكثر إلحاحاً من مساعدتهم؟ وهل أسهم فقراء أميركا في صياغة سياسة بلدهم الخارجية، أو بالأحرى هل عُرضت عليهم هذه السياسة لمناقشتها؟
كثيراً ما حاولتُ أن أجد مثيلاً تاريخياً لتلك العلاقة المذهلة بين أميركا وإسرائيل، لكن من دون جدوى. لا ريب في أن هذه العلاقة تطورت واشتدت أواصرها عبر الزمن، وأصبحت اليوم تصل إلى حد تفضيل الآخر على الذات، حتى في أحلك الأيام. لا أودّ أن أناقش هنا أسباب التأثير الهائل للصهيونية على صانعي القرار في أميركا، فلهذا التأثير امتدادات تاريخية ودينية وإعلامية وسياسية وانتخابية واقتصادية لا تخفى على أحد. بل ما يحيّرني هو الآتي: ما الذي استفادت منه أميركا عبر هذا التماهي الجارف مع إسرائيل، حتى أصبح الآخر هو الذات؟
كانت إسرائيل، منذ ولادتها قبل سبعة عقود حتى اليوم، السبب المباشر أو غير المباشر وراء الحروب كافة، أو الاضطرابات الكبرى التي اجتاحت العالم العربي... إذ كان الركن الأساسي في علاقاتها مع العرب أن تُبقي تلك الدول في حالة عدم استقرار دائمة، وهذا أيضاً أمر لا يخفى على أحد. لكن كيف تستفيد أميركا اقتصاديّاً من دول مزعزعة، ومن شعوب فقيرة؟ وكيف تستفيد أميركا من كراهية ملايين العرب لها، حتى في الدول العربية التي تتحالف أنظمتها كلياً مع أميركا، بسبب تعاطفها اللامتناهي مع إسرائيل؟ وإذا كان بإمكان أميركا بمفردها أن تفرض هيمنتها على العرب، فما حاجتها إلى إسرائيل؟ ومن الذي تخاف منه أميركا في العالم العربي، كي تحتاج إلى الردع الإسرائيلي: هل هم «أبطال» كالسيسي ومحمد بن سلمان وملك البحرين؟
وبعدما تبيّن بوضوح عجز إسرائيل عن ردع المقاومة اللبنانية، وعن ضرب إيران، ما هي فائدة إسرائيل العسكرية لتنفيذ مصالح أميركا؟ وكيف تستفيد أميركا من تسليم سياساتها كلياً في العالم العربي إلى عتاة الصهاينة، كأمثال كوشنر وبومبيو وشنكر؟ أسئلة مطروحة على الرأي العام الأميركي، والرأي العام العربي على السواء...
طرأت على المجتمعات العربية في السبعين سنة الماضية تغيّرات عميقة، من دلائلها تلك الانتفاضات التي عمّت الدول العربية في العقد المنصرم. لم يحن الوقت بعد لاستخلاص عبرها، إذ إن هذه التغييرات ما زالت مستمرة، وهي تُدرس بإمعان في مراكز البحث في أوروبا وأميركا ذاتها. لكن المدهش في الأمر أن هذه الدراسات لا تأثير لها بالمطلق على صانعي سياسة أميركا العربيّة. فالحجر الأساس في هذه السياسات هو: إسرائيل أولاً، وإسرائيل آخراً، وإسرائيل في الوسط. أما فقراء أميركا، فدعهم «يأكلون البسكوت».

* كاتب وأكاديمي فلسطيني.