لطالما كانت نجوى قاسم (1967 ــ 2020) سباقة إلى اقتناص الخبر والتعامل معه بحرفية لا تشوبه شائبة. أمس كانت هي الخبر. رحلت الإعلامية الباسمة عن قليل من العمر، وكثير من الحضور والدفء الإنساني النقي، في شقتها في دبي بعد نوبة قلبية المت بها. كان بوسعك أن تختلف معها في الرأي والتحليل والمقاربة السياسية، بل يمكنك أن تعارضها في الموقف والإنتماء أيضاً، لكن كل ذلك، وغيره كثير، لن يمنحك الفرصة كي تداري إعجابك بأدائها وهدوئها وحرصها الدائب على الإحتفاظ بخامتها الإنسانية بعد كل خلاف. منذ إطلالتها الأولى على شاشة «المستقبل» قبل ثلاثة عقود، كان واضحاً أنها تمثل إضافةً يعتد بها للعالم المرئي. سرعان ما تميزت بحضورها الآسر وابتسامتها الصادقة، وأيضاً بأسلوبها الأنيق الذي يحيل خطابها إلى القلب قبل أن يؤول به نحو العقل مشبعاً بمسوغات القبول. في بداياتها المهنية، ارتبط مسير نجوى قاسم المهني بأبعاد إنسانية صارخة. استضافت الأسرى اللبنانيين المحررين من السجون الإسرائيلية في أكثر من حلقة تلفزيونية عامرة بالدفء النقي.. كان الإعلان عن نشاط تلفزيوني مماثل يستتبع بالضرورة إسم نجوى قاسم كمعدة ومقدمة. حتى صار الأمر يحيل إلى هوية إبداعية تتميز بها.. وذلك من الأمور النادرة الحدوث في الحقل التلفزيوني خاصة، والإعلامي عامة.

ما يجول في الخاطر حيال رحيل الإعلامية المميزة كثير، لعل أبرزه تلك القدرة على تنويع الأداء بحيث تبدو كما لو أنها متخصصة في كل شيء. كان بوسعها أن تقدم باقتدار حلقة من المنوعات الخفيفة التي تمنح السهرة بعداً ترفيهياً قيماً، وفي اليوم التالي تطل من ساحات الحروب في بغداد أو كابول أو لبنان (عدوان تموز 2006) كمراسلة حربية محترفة اعتادت الميدان منذ نعومة عمرها المهني.
في عام 2003، غادرت قاسم «المستقبل» بعد 11 عاماً من الإندماج بها، نحو قناة «العربية» السعودية، حيث حظيت بلقب ملائم: «قطعة الكريستال». وبالرغم من أنّ المحطة الجديدة رأس حربة في صراع متعدد الأوجه، إلا أنه أمكن لنجوى أن تحتفظ بمكانتها في قلوب المشاهدين جميعهم، بمن فيهم أولئك الذي لا يكنون وداً لـ «العربية» ولا لحاضنتها الرسمية. بدت حينها كما لو أنها تخطت امتحان القبول الجماهيري وغدت أقرب إلى ضرورة حياتية ملحة بغض النظر عن المنبر الذي تطل من خلاله. وعندما اختارتها مجلة «أرابيان بيزنس» عام 2011 كواحدة بين أقوى مئة سيدة عربية، لم يبد الأمر مفاجئاً حتى للذين يملكون ما يبرر لهم التشكيك بنوايا المجلة واستهدافاتها.
في 7 تموز (يوليو) 1967، أبصرت نجوى قاسم النور في بلدة جون الشوفية. كانت طفلة عندما دخل لبنان آتون الحرب الأهلية المدمرة، وفي مقتبل العقد الثاني من عمرها، أطلت على المشاهدين من تلفزيون «المستقبل». كانت الشاشة واعدة بالكثير، وكانت نجوى واحدة من علاماتها الفارقة، كما كان الزمن مغوياً بالهدوء والدعة بعد عقد ونصف من الحروب والمآسي. الوجه البريء الذي امتلكته كان متكافئاً مع تلك الأصبحة التي احتفى بها الناس في زمنٍ للإستقرار طال انتظاره. هكذا تحولت في اللاوعي الجماعي إلى تيمة اطمئنان منشودة، وكانت ابتسامتها العفوية تشي بفرح جامع. أما نبرتها الهادئة الواثقة، فكانت تحيل إلى ثقة لا تشمل الحاضر وحده، إنما تسري في أوصال المستقبل أيضاً. واليوم إذ ترحل مقدمة «الحدث اليوم» الودودة، فهي تفعل ذلك في زمن مغبر تتعالى فيه الهواجس العاصفة بمشاعر القلق على المصير، بينما تدخل نجوى في رحاب الذاكرة الجامعة.

* يصل جثمان الراحلة اليوم إلى مطار بيروت، على أن توارى الثرى يوم غد السبت في بلدتها