الكلُّ يسألُني عن أسبابِ حزني.

حسناً! سأختصرُ وأقول:
أنا حزينٌ بسببِ نفسي، وعلى حسابِ نفسي.
لا بارَتْ تِجارتي؛ ولا خسرتُ ثروةً في لعبةِ قمارٍ، أو تَآكلَتْ أموالي في أسواقِ النَصّابين وهياكلِ الصيارفة؛ ولا أتى طوفانٌ على رِزقي أو هلكَتْ سلالاتُ مَن أُحِبُّ في ضربةِ زلزالٍ أو هجمةِ أعاصير؛ ولا انهـَـدَّتْ قلاعُ أجدادي، ولا غرقتْ أساطيلي في أعالي البحار، ولا...
ولا سارقٌ باغتَني في اللّيلِ وسَطا على بقايا ما سرقهُ في النهارِ،
وبالتأكيدِ (بدليلِ أنني لا أزالُ حيّاً) لم ينطفئ قلبي مِن طعنةِ كابوسٍ أو ينكسر من هزيمةِ حبّْ.
فإذن: لماذا تَتعجّبون وتسألون؟
أنا لستُ لِصّاً كي لا أكونَ حزيناً؛ ولا راعيَ أبرشيّةِ حزانى (صاحبَ أيادٍ بيضاءَ على الأحياءِ والموتى) كي لا أكونَ حزيناً؛ ولا قدّيساً كي لا أكون حزيناً؛ ولا داعيةَ سلامٍ مُدَجَّجاً بالفولاذِ والأوسمةِ والدماءِ كي لا أكونَ حزيناً؛ ولا بطلاً خسرَ معركةً ولم يخسر كامِلَ الحربِ كي لا أكونَ حزيناً؛ ولا...
أبداً، أبداً!
كلُّ ما في الأمرِ أنني خسرت.
خسرتُ ما هو أَكثرُ مِن نُبذةٍ في دفترِ ذكريات، وأَثمنُ مِن رقعةِ غبارٍ مطموسةٍ على خارطة:
خسرتُ بلاداً.
وها أنا الآنَ، كجثّةٍ معلَّقةٍ على الهواء،
حزينٌ بسببِ نفسي، وعلى حسابِ نفسي.
حزينٌ بي.
: سلاماً وَ فرحاً!