القاهرة | صباح الخميس الماضي، وبعد ساعات من إعلان فوز الروائي العربي الكبير صنع الله إبراهيم (1937) بـ «جائزة الراحل محمود درويش» لهذا العام، اتصلت به «إذاعة الشرق الأوسط» القاهرية لتطلب منه المشاركة، عصراً، في فترتها المفتوحة عبر أثيرها، بعد تتويجه بالجائزة. قبل الثالثة بعد الظهر، اتصل به المعدّ، فاقترح صاحب «بيروت... بيروت» أن يمدّه بكلمته التي رد بها على فوزه. أرسلها له، وحين الاتصال... فجأة انقطع الخط، ولم يكرروه ثانية. المؤكد أنهم قرأوا كلمته، وهو، كعادته، كان ملتزماً بهموم أمته، لم يوفّر خندقاً من المتصارعين العرب في انتقاده.

وكان رئيس «مجلس أمناء مؤسسة محمود درويش» ونائب رئيس مجلس الوزراء الفلسطيني، زياد أبو عمرو، أعلن ليلة الأربعاء، عن أسماء المبدعين الثلاثة الفائزين بدورة درويش العاشرة للإبداع، وهم التشكيلي الفلسطيني كمال بُلاطة، والشاعر الأردني أمجد ناصر، وصنع الله ابراهيم. وهي درع تكريمي و12000 دولار لكل فائز. ونتيجة لصعوبة حضور المبدعين الثلاثة احتفال التكريم، تسلّم ممدوح العكر الجائزة عن كمال بُلاطة، وليانة بدر عن صنع الله ابراهيم، وسعد عبد الهادي عن أمجد ناصر.


وأوردت لجنة الاختيار حيثيات فوز صنع الله بأنّه «كاتب طليعي سباق، انشغل بالقضايا الإنسانية، إنتاجه غزير متنوع بين التوثيق والجمال والجرأة، سعى إلى تطوير الرواية العربية من خلال التجريب، ويعدّ ظاهرة أدبية خاصة، مستقلّ وبعيد عن الدوائر الرسمية». وكان صنع الله ابراهيم توِّج، في شباط (فبراير) 2018 بجائزة فريدة في التاريخ الثقافي المصري، تشارك في تكريمه بها «جمعية أصدقاء الصحافي المصري الراحل أحمد بهاء الدين»، و«اتحاد كتاب أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية»، وشخصيات عامة عابرة للتوجهات السياسية، باسم «جائزة الشعب» ضمن احتفال حافل احتضنه «المركز الثقافي الكاثوليكي» في القاهرة.
وقال مبدع «برلين 69» في كلمته تعبيراً عن امتنانه لمنحه جائزة «درويش»: «عندما فاز الكاتب الأميركي وليام ستايرون بجائزة عالمية، قال «إن منح الجوائز وتلقّيها يولد عادة ارتفاعاً ضاراً في منسوب التواضع الزائف والنميمة وجلد الذات والحسد. لكن هناك جوائز بعينها يمكن أن يكون الفوز بها أمراً رائعاً». انتهى كلام الكاتب الأميركي بعدما عبر بدقة عن إحساسي. من الرائع أن يرتبط اسمي باسم محمود درويش، الذي عبرت مسيرته المهيبة عن أشواق ومعاناة الشعب الفلسطيني العظيم، بل الشعوب العربية جمعاء وكافة المضطهدين والمستغلين في العالم. فارقنا محمود درويش مبكراً. وإني لأتساءل إذا لم يكن محظوظاً في هذا الفراق المبكر كي لا يشهد ما وصلت إليه أمورنا الآن؟
القدس وقد أصبحت عاصمة للمحتل. اليمنيون تذبحهم طائرات التحالف العربي الذي تقوده السعودية والإمارات بدعم أميركي. المغتصب التاريخي لشعوبنا يصبح حليفاً. الميليشيات المدعومة من السعودية والإمارات وقطر تمزّق أوصال ليبيا وسوريا والعراق... هذا بعض من كل. قبل رحيل محمود درويش بعشر سنوات، كتبت في رواية لي: «إنه خط واحد، الذي يمتد من الشمال إلى الجنوب، ليس بخط طول أو عرض، ولا حتى نسب. فما يجمع بين الملوك المجللين، السلاطين والأمراء المُسخمطين، هو نشوتان: واحدة للدم والثانية لماء الحياة. فبعد ذبح الشاة وقتل الأب والأم، يسلمون مؤخراتهم للأسياد. بعدما جربوا السيد الإنكليزي وابن عمه الأميركي، يهرولون الآن إلى الإسرائيلي، الطالع في المقدر».
انتهى ما كتبته منذ أكثر من عشرين عاماً واليوم أضيف أن المقدر تحكمه قوانين خالدة. فدوام الحال من المحال ولكل مغتصب وقاهر، ولكل سلطان، دائماً نهاية، ولو بعد حين.
أشكركم وأتطلع إلى رؤياكم في وطن حر».