في الرابع من كانون الأوّل الجاري، دُشِّنت المكتبة الوطنيّة اللبنانيّة. هذا حدث انتظرتُموه قرابة عشرين سنةً. في عام 1999، تلقّيتُم الوعدَ بإحياء هذه المؤسّسة، وهي الضامنةُ لذاكرةِ البلاد، المُسْتَضيفةُ لما خلّفته أفكار جرى تداولها ههنا من آثارٍ مكتوبة ولأخبارِ مَن جاؤوا من هنا أو من غير مكانٍ آخر، رافعين الصوتَ بمعتقداتهم أو معبِّرين عن أحلامهم أو مقبلين على رواية سِيَرِهم. وفيها يقع الباحث على مواردَ يحتاجُ إليها ليتتبّعَ تاريخَ البلاد مستبينًا تشابكَ وجوهه وليستطلِعَ مسالكَ المستقبل...

تصوّرتُم هذه المكتبة فضاءً مفتوحاً ومصدراً للمعارف وموضعَ لقاءٍ بين الثقافات ومحافَظةٍ على التراث المكتوب وإبرازٍ لما تنطوي عليه من قيمةٍ منتَجاتٌ ثقافيّةٌ متنوّعة. تصوّرتُموها موقعًا تتفاعل فيه أنواع التعبير الثقافي ومَعينًا يَنْهَل منه المبدعون.
وها نحن اليومَ يُغَرَّرُ بنا مرّةً أخرى. هوذا المشروعُ الذي وظّفَ فيه كثيرون طاقاتِهم مدّةَ عشرينَ سنةً، وفيهم وزراء ومثقّفون ومنشآت ثقافيّة وفنِّيو مكتباتٍ ومعماريّون وإداريّون وأصدقاءُ للمكتبة الوطنية، وقد جهدوا جميعاً لتجديد أسس هذا الصَرْح الوطنيّ، فإذا هم يقعونَ على ذريعةٍ لحفل تدشين. وليس هو الحفل الأوّل: فالصحافة استدعيت ثلاث مرّاتٍ من قبل، واستُدْعِيَ التلفزيون ووضع الحجرُ الأساس وأُعْلِنَ عن الافتتاح الوشيك.
وفي كلِّ مرّةٍ، وَجدْنا أنفسنا حيال سراب يعاد إغلاق الأبواب دونَه لتحولَ الأبواب بين ذاكرتنا وبينَنا. والحقُّ أنّنا اعتَدْنا هذا النوعَ من الممارَسات. فكُلُّ حِرْزٍ مكرَّس لذاكرتنا يَتَداولُه الفتح الطفيف والغَلْقُ العنيف: تلكَ، مثلاً، حال «بيت بيروت» ومكتبتِه. فلا يجازُ لنا أن نحظى سوى بإيماضات مجتزأةٍ مبعثَرةٍ من تاريخٍ هو نفسه كثير الكسور.
والحال أنّ تدشين مؤسّسة مع تركها مجرّدةً من روح تبُثّ فيها الحياة إنَّما يَؤول إلى تجريدها من وظيفتها ومن رسالتها. فمع أنّ المجلس العلمي أنجز هيكليّة موافقة لحاجات المؤسّسة، فهي لم تصدر بمرسومٍ إلى اليوم. فهل سيكون النبذ اليومَ أيضاً نصيب المبادئ التي تنهض عليها مكتبة وطنيّة ونصيبَ المهمّاتِ المفترَضةِ لهذه المؤسّسة؟
على مستوى آخر، لم تَصدر أيضاً المراسيم المنشئة لمجلس الإدارة، وهو الضمانة لحسْن التسيير. وهذا مع أنّ أعضاءَ هذا المجلسِ قد جرت تسميتهم ولم يُراعَ فيها، بطبيعة الحال، سوى مبدأ التوازن الطائفي والسياسي وجرى التفريط بالتمثيل المناسب لمختلف القطاعات المختصّة بإنتاج الأعمال الثقافية، على التعميم، وبتوزيعها وبإنتاج الكتاب وتوزيعه، على التخصيص. فلا يُجْدي فَتيلاً، والحالةُ هذه، وضع لوحة أخرى على واجهة المكتبة الوطنيّة، طالما لم يعيّن عدد مناسب للحاجة من العاملين المؤهّلين لاستقبال الفئات المختلفة من الجمهور المنتظَر ولإرشادها إلى ما يهمُّ كلاً منها من موارد المكتبة.
في واقع الحال، جرى، في مدى 15 عاماً، عمل جادّ وشامل تناول المجموعات فرزاً وتنظيفاً وترميماً وجرداً وتوثيقاً، تولّاهُ فَنّيو مكتباتٍ من ذوات وذوي الاختصاص والكفاءة والخبرة. استُكمِلَ تأهيل هؤلاء في مَساقِ المشروعِ نفسِه وتزوّدوا في أدائهم لأعمالهم أرفَعَ المعايير. وكانت ثمرةُ هذا الجهدِ المديدِ فهرسةً محوسبة للمجموعات آنَ، من زمَنٍ، أوانُ وضْعِها في الخدمة.
فاجتناباً لإفراغِ هذه المؤسَّسةِ من معناها ودَرْءاً للانحراف بها عن غاياتها، على غرارِ منشآتٍ عامّةٍ كثيرةٍ أخرى، جئنا، مثقَّفينَ وكُتّاباً وناشرين وعاملين في التعليم وفَنِّيّي مكتبات وقرّاءً… مطالِبينَ بمؤسّسةٍ رفيعةِ الأهليّةِ تتآزرُ فيها الكفاءات، على اختلافها، لصَوْنِ تراثنا الثقافيّ وإبرازِ قِيَمِه وجَعْلِه في مُتَناوَلِ الجَميع.
نريدُ مكتبةً وطنيّةً يجِدُ فيها كلُّ مواطنٍ مكاناً مفتوحاً، مرحِّباً، ذا امتيازٍ، فيستطيعَ أن يَسْتَمِدَّ منه ما يلزَمُ من عناصِرَ لبناءِ هُوِيّةٍ ثقافيّة يكون تنوّعنا ثراءً لها.
نريدُ مكتبةً وطنيّةً أبوابها مفتوحة للجمهور.
04/12/2018

* (للاطلاع على لائحة الموقعين كاملة: أنقر هنا)