ازدحم الزوّار أمام محلّ عاطف الغرمتي لصناعة راحة الحلقوم في صيدا القديمة (جنوب لبنان) لمناسبة المولد النبوي. على مدار العام، يتوقف أهل البلد لإلقاء التحية على «أبي طارق» الذي انتهى به تقدّم السن أخيراً على كرسي مدولب. لكن ذاكرته التي لم يمرّ عليها الزمن تجعله موسوعة مشرعة ليس على تاريخ الحلوى «العثملية» وأسرارها الصيداوية فقط، وإنّما على ما مرّ بالمدينة طوال القرن الماضي.

شراء «حلوى المولد» من معمل الغرمتي، شرط متمم للاحتفال بالمولد النبوي في البلد القديمة لكي يقدموه خلال زيارات المعايدة. تجد «الراحة» زبائن لها في كل الأوقات، لكنّها تزدهر حصراً في مناسبة المولد كما يزدهر الملبن في عيد الأضحى والفطر. أمام المعمل الصغير في الغرفة المقنطرة في حي الكنان، تحوّلت طريق المارة إلى «سفرة» تحلّقت من حولها نسوة تلف قطع الراحة في أوراق الزينة. إنهن بنات وزوجات أبناء الغرمتي وبعض حفيداته، تشرف عليهن ابنته ميرنا التي تعلمت وحدها دون أشقائها سرّ الصنعة. من حولهن، يتحرك أصهرته وبعض أحفاده. منهم من يحرك «الطبخة» بالمسواط الخشبي (ملعقة خشب طويلة) في الجرن فوق النار، ومنهم من «يدعك الطبخة» التي صارت عجينة ممدودة ويقطعها إلى مكعبات صغيرة. مهنة عائلية أسسها «أبو طارق» الجالس قبالتهم يراقب ماذا يصنع ثلاثة أجيال من بعده تورطت بالراحة. أولاده وأزواجهم وأبناؤهم وأولاد أبنائهم.
قبلهم بـ83 عاماً، تعلم عاطف الصنعة من قريبه لوالدته محمد النقوزي الذي يعتبره مع شقيقه إبراهيم مؤسّسي هذا الكار في صيدا، واللذين أسسا معملاً في الشاكرية لصناعة راحة الحلقوم التي تعلمها من العثمانيين أثناء وجودهم في صيدا. حينذاك في عام 1935، كان عمره ثماني سنوات عندما توفي والده واحتضنه محمد. أما هو، فقد حاول البحث عن مستقبل مختلف عن «الراحة العثملية». عمل لثماني سنوات في ثكنة الجيش الإنكليزي في عين الحلوة كأجير يومي. ثم سافر إلى الولايات المتحدة الأميركية بـ «البابور» لمرتين، لكنه لم يجد راحته هناك: «شعرت بالملل وهربت هريبة». يربط تاريخ افتتاحه محله الخاص بثورة عبد الرئيس جمال عبد الناصر في مصر: «فتحنا أنا وعبد الناصر سوياً».
حتى الآن، يصرّ الغرمتي على التمسّك بالطريقة التقليدية «لأنّها الأطيب والأصدق». النشاء والسكر وحامض الليمون والمستكة والماء تخلط على النار في جرن نحاسي، وتحرك لحوالي ساعة بالمسواط. في وقت سابق، كانت الخلطة تصنع من دبس العنب والعسل. وفي وقت لاحق، أدخل إليها الفستق والجوز وماء الزهر والبندق. لم يدخل الغرمتي الآلات برغم التعب اليدوي الذي يستلزمه تحضيرها من تحريك ودعك ومد وتقطيع. يربط الغرمتي الراحة بمحمد النقوزي، لكن آخرين يربطون نشأتها الصيداوية بأشخاص آخرين، برغم الإجماع على أنّها سر من أسرار آل النقوزي على غرار الملبن. البعض يقول إن سيدة من آل النقوزي سافرت إلى تركيا، تعلمت أصول الصناعة أثناء عملها لدى عائلات هناك، قبل أن تعود إلى صيدا وتنشر أصولها ضمن عائلتها. مصدر آخر يربط أصل الراحة بنصير النقوزي الذي بدأ بصناعتها في صيدا في مطلع القرن التاسع عشر.