يبدو أن أكثر ما يميزّ الشاعر ربيع الأتات هو الذكاء؛ ربما هو مزيجٌ من شعريةٍ وذكاء. يأتي ديوان «جنازات الدمى» (دار النهضة العربية) بحسب التعريف نوعاً من «قصائد هايكو» ضمن مقدِّمةٍ مطولةٍ (نسبياً مقارنةً بحجم الكتاب) يشرح فيها الشاعر والصحافي اسكندر حبش عن قصائد اليابان الأثيرة والأكثر شهرة. «جنازات الدمى» ديوانٌ كتب باللغة الشعرية لثقافةٍ أخرى باللغة العربية؛ يبرز ذكاء كاتبه (وهو الديوان الأوّل له بالمناسبة) ذلك أنه ارتأى أن يتخلّص من «المنافسة» حكماً مع أي شاعرٍ آخر، لكن الذكاء لا يكمن في هذا فحسب، بل أيضاً في مهاراته في صقل كلماته والعمل الشعري مطولاً عليه. تبدو «حرفة الصقل» واضحةً، فأن تكتب «هايكو» يعني أن تفهم لا طبيعة الشعر فحسب، بل أيضاً تقنية شعرية مختلفةً عن بنية الشعر العربي. يمتاز الهايكو بكونه ثلاثة أبياتٍ قصيرةٍ من الشعر، تقال سريعاً، ضمن «أسرابٍ» منها. يقول: «غالباً على الطريق/ ألمح وجهها/ على وجوهٍ أخرى»، الفكرة هنا مباشرةٌ للغاية، لكنها واسعةٌ وفضفاضةٌ. أكثر من هذا: «أمرر يدي/ بين السماء والأرض/ يختفي الضباب» فهل يقصد أنه يمسح الزجاج المتعرّق ليختفي ضباب الغرفة؟ أم أنه فعلاً يقصد أنه يزيل ضباباً عالقاً على روحه؟ أم أن الأمر أكثر عمقاً من الصورة المباشرة للمتخيلة؟ «إلتفاف يدي/ حول فنجاني الدافئ/ يُبعد الشتاء». هل هي فعلاً حكاية الشتاء، خصوصاً لما لفكرة الفصول المتعاقبة من أهمية لدى شعراء الهايكو؟ أم أنه أكثر مباشرةً في الحديث ببساطة عن علاقة البشر مع البرد والدفء؟ أم نقاشٌ –أبسط- في حيثية الخوف والعلاقة مع الأمور الحيميمة اليومية؟ وماذا عن السخرية من المباشر الذي يستحق الإشارة: «عند برج إيفل/ بائعٌ أسمر لقبعاتٍ/ كتب عليها أحبُ نيويورك»؟ وهو أيضاً من «نقرات» الهايكو الخاصة. لكن شاعر الهايكو داخل الكتاب لا يكتفي بمجرّد عرض الأشياء من دون تشاركها مع قرائه حتى في أدق التفاصيل فيكتب: «تألم بصمت/ حين مشى/ على الماء».

يطل بظلالٍ قويةٍ عبر اللغة المباشرة وضمير الأنا
هل المشي على الماء سلوكٌ مباشر؟ أو لغةٌ مباشرة؟ إنها المجاز لكن مجازاً غير مطلق، فالشعر العربي –خصوصاً الحديث منه مع مدارسه الأخيرة- يحبذ الإرسال المطلق للمجاز، فتبدو الأرض كبرتقالة والدنيا خيالاً بخيال، لكن الهايكو كبنيةٍ شعرية يبتعد عن هذا ليقترب من طبيعةٍ خاصة. يحاول صاحب الديوان، المزج بين الفكرتين مع الإبقاء على «عربيته» و«شرقيته» (لأن اليابان في النهاية بلدٌ شرقي) في الإطار نفسه معاً، من دون أن ينسيه هذا التجربة الإنسانية بأكملها: «الألم يبدأ/ عند آخر قطرة/ من حليب الأم»، أو «مطر النوافذ المفتوحة/ صرخات جارتي/ تبلل أحلامي»، وإذ كان المعنى في هذه الصورة «جنسياً» إلى حدٍ ما، فإن كلمة «مطر» تختلف جذرياً عن «تبلل» وإن كانت كلتاهما تحدثان فعل «الماء/ السائل» وهو ذاته تقريباً في: «أستيقظ/ فأتعثّر مجدداً/ بحلمٍ لزج». هذا المعنى يرفع لغة الديوان إلى درجة التحدي من خلال مقاطع مثل: «بقرطٍ فوق حاجبي/ أثقبُ/ صمت عائلتي» إنها لحظة المواجهة بين كل شيءٍ من عاداتٍ وتقاليد وأسس، أمام فعلٍ «بسيط» يغيّر شكل العالم. على جانبٍ آخر، وفي الصور نفسها، يظل الشاعر/ الأنا مطلاً بظلالٍ قويةٍ في الديوان، فيحكي بلغةٍ مباشرةٍ/ أنا كثيراً، لكن هذه الأنا ليست «أنا» الشخص، بمقدار ما هي «أنا» الجمع/ الكل فتكون: «أمر بمدرستي/ فلا أعثر على الطفل/ الذي كنته» أو «مدرستي مغلقةٌ/ تمر الذكريات/ تنفض الغبار» وبالتأكيد: «في يدي يد أخرى تتبدّل». هنا تستخلص التجربة فتصبح كلاً جماعياً لا حدثاً فردياً خالصاً؛ وهو ذاته ما نلاحظه عند المباشرة: «عند الباب المقفل/ يرعبني/ الباب المقفل»، إنه الخوف من المجهول البارز، لكنه أيضاً فعلٌ جماعي مشترك مع الجميع. في الإطار عينه، تأتي فكرة «العام» مع «نقرات» موسيقى أعلى، تمتزج أكثر مع الفكرة الشعرية الجمالية العامة: «تمرُ/ الطيور المهاجرة/ فتضيق السماء»، أو «امرأةٌ عارية/ على العشب/ تخرج رؤوسها السلاحف» وهو ذاته: «زجاج متجر الألعاب/ أنفٌ وعشر أصابع/ بصمات الأطفال»، هي صورة الانتظار التي يخلقها «البشر/ كل البشر» (السلاحف/الأطفال) أمام المرغوب المراد بشدة (الأنثى/الألعاب).
هو كتابٌ شعري «ناجز» كُتِبَ بمهارةٍ مرتفعة. وإن لم يكن «هايكو» مئة في المئة، إلا أن ذلك لا ينتقص من شعرية «جنازات الدمى». وهو إذ يستحق القراءة لا لأنه «مصنوعٌ بذكاء فحسب» بل لأنه شعرٌ جذلٌ جميل في زمنٍ قل فيه الشعر كما الشعراء.