حتى ظهور فيلم «شحاذون ونبلاء» (1991) الذي قدمته المخرجة أسماء البكري أوائل تسعينيات القرن الماضي، كان اسم مؤلفه ألبير قصيري (1913 ـــ 2008) معروفاً في دوائر ضيقة من قراء الفرنسية في مصر. لم يكن أغلب المبدعين العرب يعرفون عنه شيئاً. مفارقة موجعة لكاتب عاش نحو ٩٤ عاماً قضى أغلبها في باريس، إلا أنّه اعتبر نفسه مصرياً حتى النخاع. ورغم أنّ قصيري عاش ما يزيد عن 60 عاماً من عمره في غرفة رقم 58 في فندق «لا لويزيان» في شارع «السين» في حي سان جيرمان دي بريه منذ عام 1945، إلا أنّ الربع قرن الأخير من حياته منحه حظاً كبيراً، الى جانب الجوائز الفرنسية والترجمات التي لاحقت أعماله الى لغات عديدة. ما مكّنه أولاً من تداول اسمه بين الكتّاب الجدد في مصر الذين قدموا أنفسهم في التسعينيات برغبة محمومة في اكتشاف ميراث أدبي تم تهميشه لأسباب مختلفة. وكان اسم قصيري من بين طليعة من كتّاب الفرنكوفونية والسورياليين الذين غامرت مجلة «الكتابة الأخرى» وغيرها من مطبوعات الهامش بتقصي سيرتهم. في سياق مواز، كان المترجم والناقد السينمائي محمود قاسم يترجم رواياته التي دفعت غالبية النقاد إلى مراجعة أحكامهم التي راجت عن «أدب المهمشين» الذي يمكن اعتبار قصيري رائداً له، قبل أن يصبح وصفةً رائجة في أسواق الأدب.
عدميته التي كانت تستخف بالعالم وقضاياه الكبيرة غلّفها بحس ساخر جذب كتّاب الأجيال الجديدة

لا تختلف سيرة قصيري عن سيرة أبناء جيله الذين ولدوا في مصر من أصول شامية. ولد في حي الفجالة في القاهرة بتركيبته الفريدة التي كانت أقرب إلى سبيكة سكانية متعددة الطبقات والأعراق والطوائف بين باشوات السكاكيني، والعائلات اليهودية والمسيحية المصرية الكبيرة مثل عائلة بطرس غالي والشوام المتمصرين، وبجوارهم فقراء المصريين، فضلاً عن جنود الاحتلال الإنكليزي وغيرهم من أبناء الجاليات الأجنبية. تلقّى نوعية تعليم متميز توافر له في مدارس «الجيزويت» القريبة من بيت العائلة والانخراط في مجتمع مغلق على الفرنكوفونيين كون قصيري مخيلة أدبية تنتمي إلى الآداب العالمية والفرنسية، خصوصاً بالزاك الذي مثل أدبه تحدياً كبيراً لقصيري. كان الأخير منتمياً للأدب للفرنسي أكثر من انتمائه للأدب العربي الذي كان يشهد تحولات واضحة في تلك الفترة. فالشعر ظل يصارع للحفاظ على بنيته التقليدية بعد تنصيب أحمد شوقي أميراً للشعراء وتهميش الأصوات التي كانت تمضي لإفساح المجال أمام شعرية النثر التي نظّر لها كتاب وشعراء المهجر. والى جوار الشعر، كانت الرواية قد بدأت تشق طريقها بصعوبة لتصبح «شعر الدنيا الحديث» بتعبير نجيب محفوظ الذي كان مجايلاً لقصيري، لكنهما لم يلتقيا أبداً الا في حدود النظر للعالم نفسه، لكن من منظورين مختلفين، فقد انشغلا معاً بالظروف التي أوجدها مجتمع ما بين الحربين واتسم بتناقضات طبقية حادة. وفي حين راح محفوظ يكتب روايات مثل «بداية ونهاية» أو «القاهرة الجديدة» لإبراز حجم هذه التناقضات، بروح المثقف التقليدي الآتي من الطبقة الوسطى الدنيا المنشغل بتفسير العالم والسعي لتغييره وتشييد عالم روائي صرحي، كان قصيري سليل طبقة الباشوات بهويته الهجينة يحفر في مجرى آخر ركّز فيه على الإنصات لأصوات المهمشين اجتماعياً وطبقياً، كأنه يبتكر نغمة تنسجم مع هشاشة العالم الذي يرغب في تقصّي ملامحه. وخلافاً لأغلب مجايليه من السورياليين المصريين وكتاب الفرنكوفونية في أربعينيات القرن الماضي، لم يلتفت للمهمّشين من حشاشين ومهربين وسكارى في قاع السلم الاجتماعي انطلاقاً من تصورات ماركسية أو تروتسكية ذات حس نضالي ملتزم بالتغيير، بل انطلاقاً من رؤية عدمية انطوت كذلك على نزعة غرائبية واضحة نجت بها من فخ الميلودراما رغم أنّها كانت مشبعة بـ «الحنين»، إذ ظلت الحارة المصرية بغرفها الضيقة مجالاً لرؤيته. ويبدو أنّ هذا العالم أغرى نجيب محفوظ لاحقاً في الأعمال التي كتبها منذ نهاية الخمسينيات وحتى أوائل السبعينيات، إذ اتسم كلّها بطابع فلسفي ومتيافزيقي وجمع بين «الشحاذ»، و«ثرثرة فوق النيل»، «الطريق»، و«الحرافيش»، و«ولاد حارتنا» مع الاحتفاظ بسمات عالمه الذي كان قد بلغه في الترسيخ لرواية «المفارقة الفلسفية» بينما أبقى صاحب «ألوان العار» على عدميته التي كانت تستخف بالعالم وقضاياه الكبيرة. لذلك، بدا مغرياً أكثر من غيره لكتاب الأجيال الجديدة الذين راقت لهم هذه الخفة مع غروب الايديولوجيا، لا سيما أنّها جاءت مع «فولتير النيل» ـــ كما كان يلقَّب ـــ مغلفةً بحس ساخر يسهل الاستدلال عليه في أغلب حواراته سواء التي نشرت خلال حياته أو عقب موته عام ٢٠٠٨. كانت كلها في «مديح الكسل». أظهر قصيري الرضى الكامل عما حققته أعماله، وفي الوقت عينه شدد على انتمائه إلى مصر مقابل عدم الحاجة للحصول على جنسية فرنسية لأنّه مشبع بمصريته التي حملها معه منذ أن قرّر الاستقرار في باريس عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٥. بدأ ارتباطه بصداقة مع مجموعة فريدة من كتاب العالم ضمت جان بول سارتر، وهنري ميللر، ولورانس داريل، والبير كامو الذين شاركوه كذلك متعة تأكيد الطابع العدمي والبقاء في انتظار ما لا يجيء أبداً.
أعماله الأدبية
«لسعات» (1931) ديوان شعري نشر في القاهرة «بشر نسيهم الرب» (1941) مجموعته القصصية الأولى التي صدرت في القاهرة «بيت الموت المحتوم» (1944) «تنابل الوادي الخصب» (1948) «العنف والسخرية» (1962) «شحاذون ومتغطرسون» (1955) من أشهر أعماله وقد تحولت إلى فيلم سينمائي أخرجته أسماء البكري «طموح في الصحراء» (1984) «مؤامرة مهرجين» (1975) «موت المنزل الأكيد» (1992) «ألوان النذالة» (1999) آخر أعماله