شوقي بزيع



لا أعرف على وجه التحديد أي وجهة للحياة والكتابة كنت سأتجه نحوها لو لم أقرر عام 1968 المشاركة في المباراة التي دعت إليها «كلية التربية» في الجامعة اللبنانية لكي تمهد أمام الفائزين السبل إلى مزاولة التدريس، كأساتذة للتعليم الثانوي، بعد خمس سنوات من الدراسة.
التحاقي بالكلية التي جسدت في حقبة ما قبل الحرب أجمل ما في الاندماج اللبناني من تنوع وغنى معرفيين، هو الذي وضعني على الطريق السويّ والشاق لكتابة الشعر وللانخراط في تجربة الحداثة. صحيح أنني بدأت قبيل العاشرة بكتابة أنواع مختلفة من الأزجال والأغاني، وأنني نظمتُ باكراً قصائد ومقطوعات لا تشكو من أي خلل وزني، ولكن الصحيح أيضاً هو أنني من دون تجربة الجامعة وما رافقها من صخب المدارس والأساليب وتحولات الفكر والسياسة والإبداع، لم أكن لأصبح ما صرت عليه أو لأنجز ما أنجزته، بصرف النظر عن حدوده وقيمته المتروكين للنقد وللزمن.
ضمت كلية التربية في تلك الآونة خليطاً نادراً من الطلبة الذين مكّنتهم المنح التعليمية المقدمة لهم، لا من التفرغ للدراسة فحسب، بل من تحويل كليتهم إلى حاضنة نادرة لمعظم الأنشطة السياسية والثقافية والوطنية التي عرفها لبنان عشية اندلاع حربه الأهلية. ولم تكن قاعات الدراسة، التي وقف على منابرها «نجوم» كبار من أمثال أدونيس وخليل حاوي وأنطون غطاس كرم وريمون جبارة ويمنى العيد والمطران جورج خضر وغيرهم، هي وحدها التي جعلت من الكلية حجر رحى الحراك الطلابي في لبنان، بل تحولت الكافيتيريا الشهيرة إلى فسحة للتلاقح المعرفي والثقافي والإنساني. أما مهرجان الشعر السنوي الذي كان يشرف على تنظيمه بول شاوول، فقد بات الحدث الثقافي الأبرز الذي ينتظره الموهوبون من شعراء الكلية، وتشارك في لجان تحكيمه كوكبة من شعراء لبنان البارزين. وقد كان عليّ أن أشارك لسنتين متتاليتين بقصائد على الوزن الخليلي ممعنة في رثاثتها قبل أن أمتلك ناحية القصيدة التفعيلية، وتفوز قصيدتي «أغاني الصلبان المهجورة» بجائزة الشعر الأولى عام 1971.

كانت قصيدة «عناوين سريعة لوطن مقتول» تعبّر عن وقوفي على الشفير بين موجبات المغامرة الأسلوبية وموجبات النطق بلسان حال الجماعة في مأزقها المصيري

كنت قبل ذلك بعام واحد قد نشرت في جريدة «الراية» قصيدتين اثنتين بعنوان «هوية جرح» و«الفصول الأخيرة». ورغم أن القصيدتين المكتوبتين على منوال الشعر الحر تصلحان للنشر في مجموعة أولى، إلا أنني استبعدتهما من النشر، مضيفاً إليهما عشرات النصوص المماثلة التي رأيت فيها مجرد تمرينات رومنسية أولية على الكتابة. وفي تلك الفترة، فتح أدونيس لتلامذته وأصدقائه الشبان أبواب مجلته «مواقف» فنشرت على صفحاتها عدداً من النصوص التي يستلهم بعضها التجربة الأدونيسية نفسها مثل «بين الإشارة والبدء» و«الطواف في رحاب صاحب العصر»، حيث يتراجع الترسّل الغنائي إلى الخلف لمصلحة التقصي التأملي والاشتغال المفرط على اللغة. على أن ذلك لم يكن الوجه الوحيد لصورة الكتابة بالنسبة إلي، بل كان ثمة وجه آخر مناقض تماماً ومتصل بانتمائي الإيديولوجي إلى حركة اليسار الجديد المتمثلة بـ «منظمة العمل الشيوعي»، على وجه الخصوص. ولما كانت المنظمة، واليسار بوجه عام، لا يرى في الفن والشعر أبعد من وظيفتهما «النضالية»، فقد مورست عليّ ضغوط كثيرة لأجعل مما يكتبه شعراء الالتزام بقضايا الفقراء والثورات الموعودة مثالاً لقصائدي. هكذا كان علي أن أعيش حالة من الفصام أو التمزق المرير. بين الانحياز إلى الحداثة لغةً وحساسية وشغفاً بالمغايرة، وبين الرضوخ لضغوط تيارات سياسية ترى في قصائد أحمد فؤاد نجم ذروة ما يمكن الشاعر «المناضل» أن يحلم بكتابته. ولم تشفع لي في تلك الآونة كتابتي لأغاني التظاهرات الطلابية والوطنية مثل «يا حرية» و«يا ثورة اشتدي» وغيرهما، ولا كتابة نصوص بالفصحى بدت أقرب إلى زلازل الأعماق منها إلى موجبات الالتزام الثقيلة مثل قصيدة «في الشمس كالأنبياء» التي انتصرتُ فيها لدم حسن الحايك المهدور بين حقول التبغ، بل بدا معظم ما كتبته ساقطاً في ميزان الإيديولوجيا وغير مطابق لمواصفات الأدب الواقعي والاشتراكي. إلا أن خروجي من صفوف المنظمة آنذاك لم يؤُل، على أهميته، إلى حسم الصراع على ماهية الشعر وغايته النهائية. ثم جاء اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية ليضعني، مع كثيرين سواي، أمام مأزق الاختيار بين حرية الجمال في التجول وبين الحيوات التي تحولت إلى ركامٍ، تاركةً للنصوص أن تدخل في خانة الصراخ أو التأتأة أو الرثاء التراجيدي للوطن المتهالك. وكانت قصيدة «عناوين سريعة لوطن مقتول» التي اخترتها في ما بعد عنواناً لمجموعتي الأولى، تعبّر بوضوح عن وقوفي على الشفير بين موجبات المغامرة الجمالية والأسلوبية وموجبات النطق بلسان حال الجماعة وهي تعيش مأزقها المصيري. كذلك جاءت قصائد «الأجراس» و«لو ترون الذي يركض الآن» و«الرقص بين خرائب المدينة»، التي كتبتها خلال حرب السنتين، لتعبّر عن أثر الحرب البالغ في حرْف القصيدة عن وجهتها الأمثل التي تأخذها نحو دهاليز الداخل وكشوفه والتماعاته. ولعل إقامتي في مدينة صور، التي ألحقتُ كمدرّس في ثانويتها الرسمية، أثّرت سلباً بمسار تجربتي الشعرية آنذاك، ليس فقط بسبب أعباء المهنة أو بسبب معاينتي المباشرة لاهتراء العلاقة المطّرد بين اللبنانيين والفلسطينيين، بل لأن الابتعاد عن العاصمة بما هي بؤرة الضوء ومنصة المغامرة الحداثية والتجريب، يحرم الشاعر الحوافز المحرّضة على الإبداع ويعيد الكتابة الى مربّعها الريفي المحلي. لقد عملتُ على درء هذا المحظور بالتردد الأسبوعي إلى بيروت، وإلى مناخات كليّتي التربية والآداب بالذات. ورغم الحرائق المتنقلة التي قصمت ظهر المدينة، فقد استطاعت المقاومة الفلسطينية أن تجتذب إلى معركتها من أجل البقاء مئات الشعراء والفنانين والمثقفين العرب الذين جعلوا من بيروت أيقونتهم الأغلى وخيمتهم الأخيرة، على حد قول محمود درويش. وفي الخانة المقابلة لشعر الحرب والأزمات الكبرى، مكّنتني تجربة عاطفية مؤثرة من كتابة قصيدتي «أية امرأة أنتِ؟» التي بدت تغريداً واضحاً خارج السرب، والتي أميل إلى الاعتقاد بأنها إحدى أفضل قصائد الحب التي كتبتها حتى اليوم.
حين عقدت العزم، بعد طول تردد، على إصدار مجموعتي الشعرية الأولى عام 1978 لم أجد بين يدي غير إحدى عشرة قصيدة جديرة بأن توضع بين دفتي كتاب. ذلك لأن تأخري في النشر لثماني سنوات كاملة من الكتابة أتاح لي أن أزن ما كتبته بميزان النقد الجدي والعقل البارد، ودفعني إلى حذف الكثير من التمارين الإنشائية والغنائية الساذجة. ولما كانت تربطني بسهيل إدريس صداقة عميقة توطدت عُراها عبر نشر قصائدي المبكرة في مجلة «الآداب»، فقد اتفقت معه على أن يكون إصداري الأول في «دار الآداب». وإذ عهدت إلى الفنان موسى طيبا بوضع غلاف مناسب للمجموعة، مغفلاً الفوارق الجوهرية بين الرسم وبين تصميم أغلفة الكتب، فقد تولى طيبا ترجمة العنوان بشكل فاقع حيث رسم هيكلاً عظيماً معلقاً على شتلة تبغ. ورسم في قاع اللوحة نهدين أحمرين، وأغرق الغلاف برمّته في بركة من الدم، دون أن يترك لاسم المؤلف وعنوان كتابه المساحة التي تمكّن العين من القراءة. كذلك فإنني لقلة الخبرة، لم أتولَّ بنفسي تصحيح «البروفات» الأولى للكتاب.
كنت أنتظر ساعة بساعة صدور كتابي الأول الذي اعتقدت أنه سيكرّسني شاعراً بضربة واحدة وإلى الأبد. وحين أعلمني الناشر بصدوره هرعت إلى مكتبه في الخندق الغميق حيث وجدته هناك مع نزار قباني، بحكم المجاورة بين مكتبيهما في المبنى ذاته. لم أكن آبه في البداية إلا لرؤية اسمي مطبوعاً على الغلاف، لكن كمية الدماء التي أهرقها الرسام على غلاف كتاب من القَطع الصغير جعلت الاسم باهتاً وشبه مقروء. غير أن الصدمة كانت في كثرة الأخطاء المطبعية التي تصيب مقتلاً من المعنى المقصود. ومع التقدم في القراءة كنت أمعن في التعرُّق والاصفرار خوفاً من العثور على المزيد من الأخطاء. وقد بذل نزار قباني كل ما بوسعه لمواساتي في تلك اللحظة، مؤكداً حبَّه لشعري وإعجابه بما أكتب، ناصحاً إياي بتلافي مثل هذه الهنات الشكلية في المستقبل.
هكذا لم تمرّ فرحتي بكتابي الأول على خير. وكان عليّ أن أنتظر سنوات ثلاث لكي تنفد الطبعة الأولى، حيث كلفت الصديق إميل منعم تصميمَ غلاف الطبعة الجديدة، وأشرفتُ على تصحيح الأخطاء المطبعية السابقة. والغريب في الأمر أنني لم أشأ الاحتفاظ، ولو بنسخة واحدة من نسخ الطبعة الأولى، كما لو أنني أردت أن أبرّئ عينيّ من أوزار تلك الدماء المراقة على غلافه. ولو عاد بي الزمن ثانية لغيّرت العنوان أيضاً. صحيح أن خناجر كثيرة لم تزل تمعن في تقتيل الوطن وتمزيق أحلامه، ولكن الشعر في دواوين لاحقة لي كان يبحث عن تفتّحه في عناوين أخرى، وتراب آخر أشدّ التصاقاً بالجمال وأكثر احتفاءً بالشهوات.