حين طُلب مني أن أساهم في الملف عن الراحل غالب هلسا، لم أُعْطَ ما يكفي من الوقت كي أعود إلى ما أنتجه فأقول عنه كلمات. لذا فقد بدا لي أن ليس لدي ما أقوله سوى لمح من ذكريات. هذا هو ما أملكه.

ولا أستطيع أن أقول أنني كنت صديقاً لغالب هلسا. تقابلنا أكثر من مرة في بيروت لكن ضمن مجموعات. غير أنه، بالتأكيد، ما كان ليتذكر اسمي أو وجهي لو صادفني وحدي. لكن علاقة ما، فيها مودة ما، ربطت بيننا في الشام. لكن كان في هذه العلاقة شيء من حذر وغرابة أحياناً.

كنت أعمل في مقر مجلة «الحرية» في ساحة «الشهبندر» في دمشق. وكان هو يأتينا هناك بين الحين والحين. يقف مع الجميع، ويحادثهم. أو قل: يسائلهم. فغالب هلسا سؤال لا يتوقف. إنه مثل عنوان روايته «السؤال». ثمة شوق هائل لديه لمعرفة الناس، معرفة قصصهم، وعوالمهم. وهو يفعل ذلك بأرقّ الطرق، وأشدها تواضعاً. كان يقف معنا كي يسأل ويسمع. وكنا لغرورنا نقول أكثر مما يقول هو، ونسمع أقل مما يسمع هو. كان مكتب «الحرية» قبواً، لكن فسحة صغيرة فيها بعض أشجار كانت أمامه. وكان يقف هناك تحت الشمس الشتوية الدافئة.
وفي ما بعد، عرفت أنه لم يكن متأكداً تماماً ممن أكون في الحقيقة. أي أنه لم يكن يعرفني في الحقيقة. إذ تبين لي أنه كان يخلط بيني وبين المخرج المسرحي فتحي عبد الرحمن. لم يكن قادراً على التمييز بيننا، رغم أن ملامحنا مختلفة، إذا ما استثنيت السمرة والشيب الذي كان قد بدأ يغزو رأسينا بقوة. عرفت هذا لاحقاً، وبعد سنوات طويلة من رحيله. إذ كنت بين مجموعة من الأصدقاء فتذكرنا غالب هلسا. فقلت أن الرجل كانت يعاملني بشكل غريب، فمرة يقابلني هاشّاً باشّاً، وأخرى يسلم عليّ ببرود وحذر، ولم أكن أدرك السبب، فتبسّم فتحي عبد الرحمن، بل ضحك وقال: «أنا السبب. فقد كان يخلط بيني وبينك. كان يظن أنني زكريا محمد. وكنت أنا ألعب على هذه الغفلة. مثلاً أجلس على طاولة قبالته في مقهى فندق الشام، وأحدق فيه غاضباً حانقاً، فيحرف وجهه عني». في تلك اللحظة انفكّ اللغز. فهمت لِمَ كان يستقبلني حذراً ومتحفظاً أحياناً. فحين يقابلني في مقهى فندق الشام - أي يقابل فتحي عبد الرحمن - ثم يجيء إلى مقر «الحرية» فيسلم علي ببرود. إذْ كيف له أن يهشّ في وجهي وأنا قد رميته بنظرات الغضب في المقهى أمس أو أول من أمس؟ لكن حين لا يقطع فتحي عبد الرحمن بين لقائين لنا، يقابلني هاشاً باشاً. وبعد أن أفشى لي فتحي بالسر صار يمكنني تخيل فكرته عني. لا بد أنه تساءل: ما له هذا الرجل يقابلني مرة ودوداً محبّاً، ثم يقابلني ثانية كارهاً غاضباً؟ لا بد أنه مجنون.

حين كنا نحاول التغلّب على خوفنا تحت القذائف في حصار بيروت، لم يكن هو بحاجة إلى تكلف الشجاعة


ولم أكن مجنوناً، بل كان الأمر يخصّ غفلةً ما عند غالب هلسا. وفي الحقيقة، فقد بدا دوماً أن غالب خليط من فراسة وغفلة، ثمة جانب عميق نفّاذ عنده، جانب مستقصٍ متسائل لا يهدأ، وجانب فيه قدر من الغفلة والسذاجة، وهو خليط جميل ورقيق منهما. وأقول «رقيق» لأن في غالب رقةً لا توصف، لا أعرف من أين أتى بهذه الرقة، فهي ليست من شرقي النهر ولا غربيّه.
وحين أتذكر الرجل أتذكر أنه من مواليد «ماعين» أو إحدى قراها، حيث «البدو والفلاحون»، فأتذكر شلالات ماعين التي تسقط مياهها الحارة وتجلد ظهرك حين تقف تحتها. أنا أربط بينه وبين الشلالات من دون إرادتي. وأفكر أنه خارج من تحت ضربات الماء الساخن للشلال، فنَعمَ جلدُه، ورقت يده وعينه وفكرته. هذا رجل خارج للتو من حمام دافئ.
في كل حال، ثمة جرأة لا توصف عند هذا الرجل. هو لا يعرف الخوف. لحمه لا يعرف الخوف، ولا يرتجف. وفي حين كنا نحاول ان نتغلب على خوفنا تحت القذائف في حصار بيروت، لم يكن هو بحاجة إلى تكلف الشجاعة. وقد خبر هذه الجرأة من عاشره أيامها. كان قادراً على أن يمشي تحت القصف هادئاً كأنه ملاك. وكان يدوام على الذهاب إلى مواقع المقاتلين على خطوط التماس في كل المناطق. وحدثني صديق مرة أنه ذهب معه إلى موقع تماس في «حيّ السّلّم»، وأنه أصر على أن يصعد فوق الحاجز الترابي لكي يرى اليهود. أن يرى بعينيه، ويلمس بيده، هذه هي فكرة غالب هلسا. الكتب لا تكفي عنده. ثمة كتب أشد إثارة عنده هي كتب الحياه، وكان يقرأها. كان يشربها حتى الثمالة.
وحين أحاول الآن أن أربط غالب ببلد عربي، لا أستطيع إلا أن أراه مصرياً. لقد تمصّر حتى العظام، رغم أن مصر رمتْه. لا أستطيع أن أراه شامياً (واحداً من بلاد الشام). أما هو، فقد بدا لي أنه هو غير راغب في أن ينتمي إلى بلد محدد. فالحنين إلى مكان الطفولة لم يجعل منه «أردنياً» بشكل كاف. لم يكن الحنين إلى مسقط رأسه قتله، لم يكن حنيناً يغلي غلياناً، أو هكذا بدا الأمر ظاهرياً على الأقل. وللأسف لم يكن هناك حنينٌ لدى النظام في الأردن كي يعيد غالب هلسا إلى بلده، كان النظام حديدياً يومها، كان لا يرحم. وبعد هبّة 1989 حصل تحول ما، لكن غالب كان وقتها قد رحل عنا. كان مصرياً كما بدا لي، لكن الحنين إلى مصر لا يسيطر عليه أيضاً. وكانت روحه عطوفة على الكل، على مصر وعلى العراق ولبنان وفلسطين. وفي السياسة كان فلسطينياً أكثر من الفلسطينيين أنفسهم. غير أنه لم يكن يدمج نفسه بهم. كان عربياً إلى حد ما، لكن أيضاً ليس حد الاندماج.
كأن غالب هلسا كان قد تخطى فكرة الاندماج. كأن الاندماج فكرة ضد السؤال والتساؤل. وكان غالب هلسا سؤالاً. وكانت حياته مساءلة واستجواباً.
* شاعر وباحث فلسطيني