بعدما خرج من بيروت، في خريف 1982، ومرّ على أكثر من بلد، انتهى إلى دمشق، وبدأ يتعرّف إلى أحيائها، وحلم بأن يكون فيها شيء من القاهرة. استأنف عاداته التي كان يتصدّرها: التجوال في شوارع المدينة، والتعرّف إلى مقاهيها وحدائقها ومطاعمها، وبحث طويلاً عن مكتبات تبيع الكتب الصادرة باللغة الإنكليزية. غير أن حلمه انحسر حين عرف أن الشوارع التي ينتظرها تختصر في شارع واحد طويل، يمتد من الجسر الأبيض وينتهي بـ«ساحة الأشمر» في نهاية حي الميدان. اغترب مرتين: اغترابه المستمر الذي لازم وجهاً آثر ألّا يغادر الطفولة، واغتراب وافد من ضيق المدينة، التي كان يظن أنها تشبه القاهرة.


كان يتجول متأبطاً رخاوة يومية فضفاضة، ينظر، ويدقّق، ويسأل، ولا يتعجّل في السير إلى أن يصل، بعد ساعتين، إلى شبه مطعم، فيه ثلاث طاولات، في أحد حواري حي الميدان، حيث كان يتمتع بالطعام، يبتسم بين حين وآخر، ينظر إلى السقف والجدران ويقول: «ده يشبه مكاناً في القاهرة»، ويكمل: ولكن بلا نيل. كان مسكوناً بأطياف مدينة المعزّ، وبذاته المغتربة الموزعة على أكثر من اتجاه، ذلك الاغتراب الموجع الذي عبّر عنه في روايته الأولى «الضحك»، وعاد إليه بوجع كاسح في رواية «الخماسين»، حيث الحكم البوليسي يداعب أصوات الذئاب، ويحوّل القمر إلى حجر بارد تخاف منه العينان.
كان أوسع من حياته الدمشقية، بعد حين سيُدمن النومَ إدماناً مريضاً منتظراً أحلاماً ملونة، تأتيه إن أخذه النعاس. وكان أوسع من التنظيم السياسي الفلسطيني الذي اقترب منه، وأوسع من «مجلته»، ومن الحزبيين الذين يحيطون به.... الوحيد الواسع كان اغترابه، لم تكن دمشق تلك المدينة المحافظة تفتح بيوتها للغرباء، لا عن بخل ولا كراهية، بل عن عادات متأصلة عمرها طويل. كان يذكر أن البيت الدمشقي الوحيد الذي زاره هو بيت الروائي خيري الذهبي، ومنزل سعد الله ونوس، الذي كان يشير إلى أطوار غالب الغريبة. كان غالب يقول: إن ظاهر البيت الدمشقي يغاير داخله، فالظاهر فقير متقشّف عتيق، والداخل أنيق مترف غني، واعتبر أن «الباب الضيق» في الأحياء القديمة مدخلٌ إلى فهم الشخصية الدمشقية. فهو ضيق للعيان وواسع لأهله، كما لو كان للإنسان الدمشقي سر لا يدركه إلا الدمشقيون. ولذلك كان يألف المخيم الفلسطيني، حيث للبيت باب واحد، يساوي ظاهره داخله. وكثيراً ما كان ينام عند أصدقائه من الفلسطينيين، زاهداً ببيته «الراقي»، الذي تلازمه فوضى عاتية.
ذلك الأردني الأصيل المصري اللهجة كان يوسع عالمه توسيعاً قسرياً، كأن يألف مجموعة من الشباب الهامشيين ويقاسمهم الطعام، أو أن يحضر ندوة أدبية ـ سياسية ويسوطها بأسئلة غاضبة، أو أن يمعن في كتابة هجائية عن الذين يختلف معهم، ينشرها في مجلات فلسطينية فقيرة العدد، أو أن يكتب مقالات قصية لها عنوان طريف: تأمل في تاريخ علم الجمال، أو الثقافة ومشاكل المثقفين، أو بصيرة تروتسكي التي حذّرت من البيروقراطية والبيروقراطيين.
كان وهو يوسّع عالمه توسيعاً لا طائل منه، يمشي في حارات دمشق ويتحدث عن القاهرة، فيذكر بائعي الشواء المنتشرين على ضفاف النيل، ويتوقف طويلاً أمام إدوار الخراط وصنع الله إبراهيم، وإبراهيم أصلان ورضوى عاشور، ويؤكد أنه عرف الشخصيات التي كتب عنها في «الخماسين»، سواء ذلك الذي بال على نفسه وهو ينتظر مثوله أمام المحقق، أو «نادية» إحدى شخصيات رواية «الضحك» التي كان يتحدث عنها بحنين يخالطه البكاء.
في رواية «البكاء على الأطلال»، التي اقتربت من هزيمة حزيران عام 1967 يذكر غالب أن بطله، وبطله هو نفسه، يتذكر «دقة المهباش»، وفي القلب فقدان ولوعة. عاش غالب في دمشق على «أطلال لا ترى»، وكان له صور استعادها بفقدان ولوعة، وغاص في لوعة الفقد حتى اضطرب. فكان «معنا ومنا وبيننا»، وكان وحيداً مأزوماً، ينتظر أحلاماً تقوده إلى حدائق مليئة بالرمان وبنساء خضر العيون، كما كان يقول، ويتحدث عن جدّه «الذي عاش مئة وخمسة عشر عاماً»، ويردد بلهجة حازمة، علتها ابتسامة متلاشية، أنه سيعيش أكثر من جده. حين زرته في مكتب، كان من المفترض أنه يعمل فيه، طلب مني بإلحاح أن أطلب له من «الموظف الصغير» كأساً من الشاي. قلت له: لماذا لا تطلب أنت؟ قال جملة حزينة مؤذية: أخاف، لا أتجرّأ. وظننت أن الموظف شرس، لكننا حين ركبنا سيارة تاكسي وأعطى السائق قطعة نقدية كبيرة سارع إلى الخروج من السيارة وقال: اطلب منه الباقي أنا لا أتجرأ على النظر إلى وجه السائق، وفي الشهر الأخير الذي سبق رحيله، كان يطلب من أصدقائه أن يساعدوه على اجتياز الشارع،... ظواهر غريبة عن هذا الرجل الذي كان يفاجئ الجميع بشجاعته، خلال حرب 1982، والذي احتفظ ببراءة حارقة، تدفعه إلى طرح الأسئلة بلا تحفظ أو تهيّب.
كانت دمشق أضيق منه، أو كان أوسع منها، أو كان «البكاء على الأطلال»، التي لم نكن نعرفها، قد أرهق روحه وضيّق الأمكنة. كانت فيه تلك الرومانسية الجامحة، التي تلازم كبار الفنانين، وتأمرهم بأن يغيرّوا العالم، من دون أن يغيّروا أنفسهم، وذلك الفضول المعرفي الغريب، الذي يجعله مهموماً بالعثور على كتاب لباشلار «علم نفس النار»، أو مهجوساً بالسؤال عن كتاب ثودور أدورنو «ديالكتيك النفي»، وكانت عنده: أسطورة القاهرة، التي اضطرب لفراقها ووعد النفس بالرجوع إليها.
حين كان يكتب روايته الأخيرة «الروائيون»، التي تحكي عن مسار شيوعي مصري خانه الطريق، كان يقول: قررت أن أضع حداً لحياته. وكان سعد الله ونوس يرفض تشاؤمه ويقول: نهاية غير منطقية، ويعود في اليوم اللاحق ويقول: بطلي لن يموت، لكنه لا يلبث أن يغيّر رأيه، ويرى في الموت نهاية منطقية لهذا المتمرّد الذي أرهقه تمرده ووقع على الخواء.
في اللقاء الأخير بيني وبينه، شرب من حنفية في «ساحة الأشمر» في حي الميدان، ونظر إلى السماء طويلاً، ومسح يديه، وأعلن بابتسامة راضية: في العام القادم، سأعود شاباً، سأعود إلى القاهرة، سأحصل قريباً على إذن بالرجوع.
كان سعد الله ونوس وهو يتحدث عن العراقي غائب طعمة فرمان والأردني غالب هلسا والمصري يوسف الشاروني، يقول: إنهم مظاليم الأدب، فهم جديرون باحتفاء واسع، لم يظفروا به. لم يكن غالب، الروائي الذي مارس حداثة روائية مبكّرة، يعبأ بنهاية الطريق الذي يمضي فيه، مردداً دائماً: المهم ما نصادفه في الطريق، لا النهاية التي يوصلنا إليها.
* ناقد فلسطيني