ربما كانت البداية عندما أحسست أنني لم أكن في مكاني، في أحد مكاتب «دائرة الاعلام والثقافة» التابعة لـ «منظمة التحرير الفلسطينية» التي كان يترأسها السيد ياسر عبد ربه ويساعده السيد/ الراحل عبد الله الحوراني. كان هذا في بيروت عام 1975، حين لم أعد أداوم إلا دقائق قليلة، أتوجه بعدها إلى مقهى «أم نبيل» القريب من المكتب، الواقع في قلب «الفاكهاني»، الذي لا بد أن يمر به كل ذاهب لرؤية أبو عمار في «الـ 17» كما كان يُسمّى مقرّه. تناقصت زياراتي للمكتب شيئاً فشيئاً. كان يتنامى لدي إحساسٌ بأن هذه المؤسسة لا تستطيع استيعابي وأنني ــ على نحو ما ــ أكبر منها، بل ربما أكبر من المؤسسة السياسية الفلسطينية التي كان يترأسها الزعيم الراحل ياسر عرفات نفسه. وربما تكون هذه كلمة السر في سلوكي كله سواء على الصعيد السياسي أو على الصعيد الشخصي. كانت هذه بدايات إلى أن تقدم الزمن وصرنا في عام 1977 في بيروت، حيث كتبت أول قصة بعنوان «قط مقصوص الشاربين اسمه ريّس»، وكنت في الأربعين.


أرسلت القصة إلى محمود درويش، وكان أيامها رئيس تحرير مجلة «شؤون فلسطينية» التي كانت تصدر عن «مركز الأبحاث الفلسطيني»، وكان يساعده الياس خوري.
أخبرني محمود بعد أيام بأنها من أجمل عشر قصص قرأها في حياته، لكنه لا يستطيع نشرها في مجلة شبه سياسية لا تحتمل هذا النوع من الأدب الـ …. ولم يستطع أن يجد له وصفاً. أما الياس فكان شبه مذهول لأنه كان قد شكّل انطباعاً عني بأنني أي كلام، لكنه أصلح الأمر في ما بعد، وأخذها الى سهيل إدريس الذي نشرها في مجلة «الآداب». وعندما ذهبت الى مكتب سهيل لأشكره وآخذ نسخة من المجلة، كانت الست عايدة زوجته موجودة، فعلقت بإعجاب: شو هالقصة!
أثارت القصة ضجة كبيرة، لأنها كانت نصاً مضاداً تماماً لما كان ينشر من أدب فلسطيني. وقد اعترف القاص والروائي رشاد أبو شاور شفوياً في ما بعد بأن هذه القصة ستغير مسار الأدب الفلسطيني كله، لكنه لم ينشر رأيه مكتوباً. الآن، وبعد حوالى 37 سنة من نشرها، أظن أنها مهمة لأكثر من سبب. فقد ظهرت فيها الثورة ومفرداتها من كفاح مسلح وخطابات ثورية وتنظيمات وكل عدّة الشغل الفلسطينية، ظهرت في القصة كخلفية باهتة لا أكثر. أقول في الحركة الثانية من القصة: التقيتُ بها في أحد مكاتب الثورة، ولمّا لم يكن لدي ما أفعله، فقد قررت أن أقيم علاقة معها. وكانت صحافية سويسرية، يهودية؟!

أخبرني محمود درويش بأنها من أجمل عشر قصص قرأها في حياته، لكنه لا يستطيع نشرها في مجلة شبه سياسية


أثارت القصة ضجة كبيرة، لأنها كانت نصاً مضاداً تماماً لما كان ينشر من أدب فلسطيني


علاقة حب وصداقة مع يهودية؟! كان هذا اختراقاً صادماً لأحد التابوهات الخطيرة. علاقة مع يهودية؟! صحيح أن «حركة فتح» كانت قد أعلنت في أدبياتها السياسية أنها تميز بين اليهود والصهاينة، وأنها لا تعادي اليهود، ولكنه كان كلاماً سياسياً دعائياً. لم يخطر في بال من قالوا هذا أنه سيأتي من سيطبق هذا الكلام عملياً، ومع امرأة يهودية، وفي قلب «الفاكهاني» المدجج بالأسلحة! كانت القصة تحطيماً للصورة النمطية لـ «المناضل» وفق التصور الايديولوجي الزائف الذي رسم المناضل كشخص جاد، مكشّر، يرفع علامة النصر دائماً، واذا كان لا بد أن يمارس عواطفه تجاه امرأة ما، فليكن مسكاً ليدها، وليس أكثر من ذلك، على أساس أنه مناضل طهراني يجب أن يخفي مشاعره من أجل فلسطين... والشهداء. أنا «فتحتها ع البحرين» كما يُقال، وكتبت مشاهد جنسية صريحة من دون خجل، على أساس أن الثورة هي حياة أولاً، وصدقٌ وعدم تنكر لرغبات الانسان ولو كان مناضلاً. كذلك أكملت الصورة، من دون أن أغفل الجوانب العبثية أو العدمية أو حتى السخيفة في تصرفات هذا المناضل، لأنه أولاً إنسان، ولشخصيته أبعاد مختلفة لا تتفق والمواصفات الكرتونية الإيديولوجية الجاهزة. وأيضاً سخرت، لكن برفق، من اليسار عموماً، عبر شخصية الصحافي الفرنسي اليساري صديق سيمون الصحافية اليهودية، واسمه جان - بيير فيليبو. وأظن أنني سخرت في وقت مبكر من اليسار عموماً، حيث اعتبرت أن «رصيف 81» الذي أسسناه في ذلك الوقت هو اليسار الحقيقي - البروليتاري، الأممي الراديكالي. والبقية مزيفون لا أهمية لهم كما أثبتت الأحداث لاحقاً. هذا، بالاضافة إلى نبرة القصة، مزيجٌ من «غريب» كامو وبعض أصداء لورنس داريل في «رباعية الاسكندرية»، خلطة غريبة لم يستطع كثيرون هضمها. صدرت القصة ضمن مجموعة حملت الاسم نفسه عام 1980.
أقدم نفسي عادة بأنني قاص، إلى أن قررت أن أصبح شاعراً أيضاً، وكان ذلك عام 1978. ربما قررت إذْ لم أعرف أنني شاعر حتى ذلك الحين، ولكن كانت لي خطة إبداعية، وهي محاولة تهشيم البنية الفوقية الابداعية الفلسطينية باعتبار أن تهشيمها أو إضعافها، يفتح الطريق لثقافة ثورية أخرى كنت أطمح اليها، وكنت وقتها أنظر الى الثقافة الفلسطينية، وبالتالي السلوك الفلسطيني، باعتباره محافظاً جداً. أردت أن أُحدث ثورة داخل الثورة وهنا برز دور الشعر، باعتباره سلاحاً يومياً، تكتيكياً وسريعاً وخاطفاً، أشبه بحرب عصابات إبداعية تحت عنوان «اضرب، واهرب». ولهذا قررت أن أصبح شاعراً. ولحسن الطالع، وجدنا من يتجاوب معنا بالكامل، صديقنا الكبير الشاعر الذي لا يشبه إلا نفسه شوقي أبي شقرا، مسؤول الصفحة الثقافية في جريدة «النهار». ولهذه المهمة، استعنت بصديقي أبو روزا وولف، ذلك الشاب الكردي البسيط الساذج والذي بالكاد درس الابتدائية، ولكنني، ونحن في المقهى، لمست أن لديه حساً شعرياً عندما أخرج لي من جيبه قصيدة نشروها له في زاوية «بريد القراء» لإحدى صحف المقاومة:«بين العتبة والعتمة/ وحيداً غاب الأصدقاء عنك/ وبقيت وحدك/ ولا شيء عكازك/ تسير وفي المنعطف/ الهاجس ينبض في زجاج نظارتك». الله، قلت له، هذا شعر. وبالكاد صدقني، ولكنني كنت أريده لمهمة أخرى، وهي كيف ننتف لحية الشعر الغنائي شعرة شعرة. وهكذا كان، إذ بدأنا ننشر قصائد هازلة عند شوقي منها على سبيل المثال: «تذكرتكَ... فهرشتُ رأسي/ فمتى تهرش رجلك... لتذكرني؟». وكلام فارغ من هذا النوع، وهدفنا السخرية من الشعر المحترم. إلى أن أخرجْنا محمود درويش عن طوره، فكتب مقالاً يقول فيه: هناك من جعل الشعر نكته الصباح اليومية، أنقذونا من هذا الشعر. وزعل محمود مني زمناً طويلاً. كنت أؤمن أيضاً بنظرية «التفجير المتسلسل» عن طريق الكلمة المختلفة الصادمة بحيث تحدث نوعاً من التفجير في ذهن القارئ، قد يقود الى تغير في الواقع. لم تكتمل التجربة، إذْ جاء الجنرال شارون وأخرجنا من بيروت، وكنتُ متواطئاً معه في هذا الأمر، لكن تلك قصة أخرى.