عندما نتابع الهجمة السياسية العالمية والإقليمية على «حزب الله» خلال السنوات الأخيرة، لا بدّ لنا أن نفاجأ بالعروض والإغراءات التي قُدِمّت لقيادته كي يغيروا سياسات الحزب، خصوصاً تلك المتصدية لاسرائيل. في الفصل الخامس من كتابه «حزب الله والدولة في لبنان ــ الرؤية والمسار» (شركة المطبوعات للتوزيع والنشر)، يؤكّد النائب والأكاديمي اللبناني حسن فضل الله، أن هذه العروض في السنوات الـ15 الأخيرة، سعت إلى اقناع الحزب بتقديم ضمانات أمنية لاسرائيل مقابل إغراءات مادية وسياسية، ومن مصدر أساسي هو أميركا. ويشير أحد أركان هذا الحزب والعضو في «كتلة الوفاء للمقاومة» في مجلس النواب، إلى أنّ العرض الأوّل حمَلَه مسؤول ياباني عام 2000. تضمّن استعداداً لتمويل مشاريع بنيوية بمليارات الدولارات في مناطق انتشار «حزب الله»، وتقديم مساعدات مالية سخية لبيئته الشعبية ورفعه عن لائحة الإرهاب الاميركية. أما العرض الثاني، فجاء من نائب الرئيس الاميركي (حينها) ديك تشيني عبر أحد أصدقائه، وشمل تقديمات مالية سخيّة ودوراً مركزياً في السلطة.


كما حمل الرئيس سعد الحريري، (قبل انتخاب رئيس للمجلس النيابي عام 2005) عرضاً للامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بتسمية نواب من «حزب الله» كمحمد رعد أو محمد فنيش أو علي عمار رئيساً للمجلس النيابي بدلاً من الرئيس نبيه بري. أما الجواب فكان حينها أنّ المقاومة ليست للمتاجرة ولا لتحقيق المكاسب، بل دورها هو تحرير لبنان وحمايته من العدوان الاسرائيلي.
ويعتبر فضل الله أنّ معضلة أصحاب العروض المتكررة كَمَنَت في عدم فهمهم لثقافة «حزب الله» كحركة إيمانية جهادية تلتزم واجباً وطنياً وهو مقاومة اسرائيل... جرى التعاطي مع الحزب حسب المنفعة، وعلى قياس بقية الأحزاب الطامحة للوصول إلى الحكم. ولعل القسم المهم جداً في الكتاب هو ذلك الوارد في الفصل الرابع عن علاقة «حزب الله» بسوريا في ظل قيادتي الرئيسين حافظ الأسد وابنه بشار. يصف فضل الله فترة تطبيق اتفاق الطائف وقبلها وبعدها بسنوات (أواخر ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي) بأنّ الدولة اللبنانية خضعت آنذاك لإشراف إدارة الدولة السورية إشرافاً شبه كامل، فولدت مؤسسات الدولة بعد الطائف على يد القابلة السورية، وتحولت أداةً طيّعة بيد قلّة من المسؤولين السوريين المهتمين بمصالحهم الشخصية على حساب لبنان وسوريا، ومعظمهم توفوا حالياً أو أصبحوا خارج السلطة.
بيد أنّ فضل الله يشير إلى أنّ «حزب الله» تلاقى مع سوريا في الهدف المركزي، أي التصدّي لإسرائيل، لكنه اختلف معها في كثير من التفاصيل اللبنانية، حتى انه تصادم معها، ولم يكن على وئام مع السياسة التي انتهجها الفريق السوري لإدارة الملف اللبناني في الثمانينيات والتسعينيات. كان هذا الفريق بقيادة اللواء السوري غازي كنعان وبإشراف نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام. والأول قضى «اغتيالاً» او»انتحاراً» في ما بعد، والثاني حالياً في منفاه الفرنسي.
ورغبة من فضل الله في تفسير حدّة هذا الخلاف أشار الى أنّ «حزب الله» دفع ثمناً من حياة عدد من عناصره عندما عاودت سوريا فرض سيطرتها العسكرية على بيروت عام 1987، واستهدفت أحد معاقل «حزب الله» في بيروت في الحادثة المعروفة بحادثة «فتح الله» (نسبة إلى الشارع الذي وقعت فيه). وعرض تلفزيون «الجديد» اللبناني أخيراً صوراً من أرشيفه لما حدث في هذه المواجهة التي سقط فيها عدد كبير من مقاتلي «حزب الله» برصاص الجيش السوري المنتشر في لبنان آنذاك. لكن فضل الله عاد وأكدّ أنّ قساوة هذا الحادث لم تدفع الحزب إلى تغيير مساره المقاوم ورفض أن يُستَدرَج إلى مواجهة تخدم اسرائيل وأميركا آنذاك.
بيد أن القيادة السورية أصرّت على استمرار عدم الوئام بعد هذه الحادثة الأمنية، وانتقل الصراع إلى الشأن السياسي عندما جرى إقصاء «حزب الله» عن أي بحث في الحلول اللازمة الداخلية أو إشراكه في تركيبة الدولة بعد إنجاز التسوية السياسية في تلك الفترة. وما يثير الاستغراب قوة انتقاد فضل الله للنظام السوري آنذاك وللسياسيين اللبنانيين الذين خضعوا له (ومنهم كثيرون ممن يعادونه بشراسة الآن). يقول فضل الله في الفصل نفسه: «حلَّت في أغلب مؤسسات الدولة (آنذاك) إدارة سورية بوجوه لبنانية». وفي هذه الحالة، بحسب فضل الله: «وَجَدَ حزب الله نفسه خارج الملعب المحلي. وفضّل البقاء خارج الدولة اللبنانية المهمشة... وبالمقدار ذاته كان فريق الإدارة السورية يريده خارجها كي لا يفرض صورته الخاصة». ويصف ذلك قائلاً: «كان حزب الله مدركاً أنّ هذه السياسة ما هي إلا سياسة الإقصاء المتعمدة من الفريق السوري وبعض شركائه اللبنانيين».
ويُصعِّد فضل الله هذا الموقف مستشهداً بما حدث في العدوان الاسرائيلي على لبنان في نيسان (أبريل) 1996 حيث واجه «حزب الله» الاتهامات نفسها التي وُجّهت اليه في العدوان الاسرائيلي على لبنان عام 2006، بأنّه جَرَّ لبنان الى مواجهة خاسرة. إلا أنّ الطرف الاساسي في انتقادات منتصف التسعينات كان سورياً، والطرف الآخر في 2006 كان لبنانياً بحسب قوله.

ديك تشيني عرض عليه تقديمات مالية سخيّة ودوراً مركزياً في السلطة
ويستطرد فضل الله قائلاً: «ولما وجد حزب الله الأبواب تقفل في وجهه من الفريق السوري المولج الملف اللبناني، فتح قناة اتصاله الخاص بالرئيس السوري حافظ الاسد، عبر نجله بشار». وعندما تأكد حافظ الأسد أنّ «حزب الله» قادر على الصمود وفق فضل الله، طلب من المسؤولين السوريين عن الملف اللبناني الكفّ عن الضغط على المقاومة لوقف النار من طرف واحد لأنّ ذلك سيؤدي الى فرض اسرائيل شروطها على لبنان وسوريا. ولم ييأس الفريق السوري المهيمن في لبنان، فحرّك شركاءه ضد المقاومة لكونهم لم يجرأوا على انتقاد حافظ الاسد. وظلت هذه المجموعة السورية تحمّل المقاومة المسؤولية الى أن قررّ حافظ الاسد تنحية عبد الحليم خدام عن الملف اللبناني وأوكله الى فاروق الشرع، ما ساهم في التوصل الى اتفاق نيسان (ابريل) 1996 بعدما قاد حافظ الأسد بنفسه المفاوضات مع الأميركيين بمشاركة روسية وايرانية وفرنسية وبحضور المقاومة ممثلة بأمينها العام حسن نصر الله».
لا يذكر الكتاب الدور المهم الذي لعبه رئيس الحكومة اللبناني الراحل رفيق الحريري من خلال اتصالاته الدولية وتنسيقه مع سفير لبنان في الولايات المتحدة آنذاك رياض طبارة في المساهمة في إصدار قرار دولي أدى إلى شرعنة المقاومة اللبنانية ضد اسرائيل، طبعاً بدعم من سوريا والمقاومة. ولم يذكر أنّه عندما أُتيح له المجال، كان الحريري يستخدم علاقاته الدولية من أجل التنسيق مع المقاومة، وهذا أمر اعترف به السيد حسن نصر الله. ويوضح فضل الله في أكثر من مكان في كتابه أنّ «حزب الله» اختار الخيار الوطني اللبناني والدولة اللبنانية. ولعل الأهم في ما قاله أنّه يجب على أعداء لبنان عدم تضييع الوقت في التحريض على خلق الانقسامات بين «حزب الله» وباقي المجموعات اللبنانية، أو التذاكي عبر خلق الانقسامات بين «حزب الله» وسوريا أو إظهار الحزب كأنه تابع كلياً لايران، فـ «حزب الله» هو حزب وطني لبناني أولاً وأخيراً، برأي الكاتب، وسيبقى كذلك.