بريس د. ج. بانكِيْك *

ترجمة: مازن معروف
السيد ويكس اتصل بي مرة أخرى الليلة، وها أنا أنظر إلى فناء منزلي. لقد تركت ضوء المطبخ مشتعلاً. بيت قديم وفارغ منذ موت سيدته العجوز. حين لا يتصل السيد ويكس، أراسل الجميع آتياً على ذكر كل ما أعرفه عن ابني. بعض رسائلي يعود مرتجعاً إلي. أما أولئك الذين يردّون عليها فيذكرون أنهم لا يعرفون أين استقر به المطاف. أنا لا أستطيع منع نفسي من التفكير بأنه سيعود ليلاً أثناء غيابي، لذلك أترك ضوء المطبخ مشتعلاً وأدلف من الباب.

الهواء البارد على حاله، والثلج يرشّ بكراته الصغيرة على قلنسوتي. يتغربل عبر ياقة كنزتي. أسمع خنازيري تشخر في مأواها، ظانة أنني متجه لإطعامها. يجب تغذيتها بما هو أحسن من فضلات الطعام الفظيعة، لكني لن أفعل قبل أن أتأكد من أن ابني بخير. أخبرته ألا يذهب وقلت أنظر كيف هو صرير الخنازير لأنني لا أقتلها أبداً، تصرُّ دوماً تعبيراً عن فرحها، وهو ذهب ونظر إليها، ثم غادر إلى مكان ما.
أكنس الثلج عن الزجاج الأمامي لجرّافتي قبل أن أتسلقها. مقاعد الفينيل باردة لكني أحبها، ناعمة وتُنظَّف بسهولة. ألمح طرف مفتاح الربط، هو حيث مكانه دوماً، بجانب مقعدي، أرفعه ثم أعيده إلى مكانه، وأشغل مرش الملح، مخفضاً شفرة المجزّ، وأنطلق لتنظيف طريق الجبل.
الثلج متكوم في حائط على حافة الطريق، والسيارات عاجزة عن الحركة. محصورة في جانب واحد من الطريق. وما إن أمرّ بادئاً الجَرْف حتى يتكوّن صف منها خلفي، إلا أنها تخفق دائماً في اللحاق بي. السائقون لا يعلمون كم يستغرق الملح حتى يبدأ بالعمل. إنهم حمقى من العموم. يندفعون خارج بيوتهم في ظروف كهذه فينتهي أمرهم موتى. لا يجلسون في بيوتهم ريثما يذوب الثلج.
لقد أصبحت كبيراً على هذا العمل، أعتقد هذا. لو أحظى ببعض الراحة لألازم خنازيري فأشاهدها وهي تكبر وتنفق. عندما يحين نفوقُ آخرها، سأقدّم له ألذ وجبة تناولها على الإطلاق وأفتح له البوابة. لكن هذا على الأرجح لن يحدث. كوني خبيراً بالطريق 60 الممتدة من أنستد إلى غولاي وأقوم بالأعمال بشكل عظيم. السيد ويكس يتباهى بجودة عملي، وحين سألتقي سائق جرافة الثلج الأخرى على الطريق المرتفع، سأضغط بوق السيارة، فذلك سيكون السيد ويكس قادماً من غولاي. أفكر الآن كيف أني لم يحدث أن التقيت بالسيد ويكس إلا خلال جرف الثلوج. أحياناً أنظر إلى جبل سيويل وأرى الثلج قادماً فأتصل بالسيد ويكس. هذا لا يعني أننا صديقان، نحن لم نلتق إطلاقاً، حتى أنني لا أعرف إن كانت لديه عائلة.
الوقفة التالية في هاوكس نكست، ومجدداً دفعة من الحمقى في طابور ورائي، لكن سرعان ما أجد نفسي وحيداً. وفيما أجرف الطريق المنحدرة نحو تشيمني كورنرز، لا تظهر سوى أضوائي على الطريق، الثلج يلتقط الضوء الأصفر الدوار في السقف، وأقواس الضوء الأبيض في الأنوار الأمامية. أبتسم لبهاء المشهد، لكني متعب وبودي أن أكون في البيت. فأنا قلق على خنازيري. ليتني تركت لها فضلات أكثر. لكن إذا ما نفق خنزير من بينها، فستأكله الخنازير الأخرى فوراً.
أقوم باستدارة كبيرة عند تشيمني كورنرز فألمح مسافراً يستوقف سيارات، واجهته نظيفة لكنه يبدو نصف مثلج، أتوقف لأقله.
- «هاي، شكراً لك سيدي»، يقول.
- «إلى أين أنتَ ذاهب؟»
- «تشارلستون».
- «لديك عائلة هناك؟»، أقول.
- «أجل سيدي».
- «سأصل فقط إلى جسر غولاي، وبعدها سأعود أدراجي».
- «هذا حسن» يقول، فتى مهذب.
الحمقى يحتشدون خلفي، لكن ترس السرعة البطيئة يئن الآن بعيداً منهم، لو تدهوروا في الجبل فلن آبَهْ.
- «هذا ليس طقساً جيداً للخروج» أقول.
- «بالتأكيد، لكن على المرء أن يعود إلى بيته».
- «لماذا لم تستقل الباص؟»
- «آع، الباص نتن الرائحة» يقول. له طريقة ابني في الكلام.
- «وأين كنت؟»
- «روانكه. عملت لعام كامل لدى أحدهم، منحني عطلة كريسماس ونقوداً».
- «يبدو رجلاً صالحاً».
- «لا مجال للرهان حتى. مزرعته خارج البلدة – أحصنة – لا ترى مثلها أبداً، سيدعني أهتم بها العام المقبل».
- «لدي مزرعة، خنازير، ما بقي منها فقط».
- «تجارة الخنازير جيدة» يقول.
ألتفتُ إليه. «هل رأيتَ خنزيراً ينفق؟»، أقول قبل أن أعاود النظر إلى ثلج الطريق.
- «بالتأكيد».
- «صعبٌ نفوق الخنازير. رأيت أناساً يموتون خلال الحرب بصورة أكثر سلاسة من نفوق خنزير عند جزار».
- «لم ألحظ ذلك. نحن نطلق النار عليها ونكدسها بسرعة، ترتجُّ بحرقة لكنها لا تلبث أن تهمد».
- «ربما».
- «وماذا يمكنك فعله بخنزير إن لم تكن تنوي ذبحه؟ أتبيعه؟»
- خنازيري طاعنة. لا تصلح لشيء. أفضِّلُ أن أدعها تنفق. أكسب لقمة عيشي من قطعة الطريق هذه كل شتاء. لا يلزمني المزيد».
- «أليس لديك أبناء؟»، يسأل.
- «ترك ابني البيت مع موت زوجتي. مضى وقت طويل على رحيله».
يلتزم الصمت فترة. حيث الطريق مرقّعة، أرفع المِجَزّ وأبطئ لأدع مزيداً من الملح يسقط. عبر المرآة، أرى أضواء سيارات تتسلل خلفي.
فجأة يقول الراكب: «وما الذي يفعله ابنك الآن؟»
- «كان يمتهن العمارة إلى حين رحيله».
- «هذا يعني أرباحاً طائلة».
- «لست متأكداً. كان مجرد حمال أحواض طين حينذاك».
يُصَفِّر. «اشتغلت هذا لأسبوعين خلال الصيف. لم أشعر من قبل بأوجاع كتلك التي داهمتني».
- «عمل صعب»، أقول. أظن أن للفتى عضلات قوية لتمكنه من حمل أحواض الطين.
أرى أضواء جرافة السيد ويكس آتية، أخفف ترس السرعة إلى الدرجة الأولى، لست مستعجلاً. «انخفض»، أقول «لا أريد مشاكل لأنك هنا».
الفتى يركع في مقعده، فيما تشع أضواء السيد ويكس على جرافتي. أموّج نفسي في الضوء، لكني لا أرى السيد ويكس، ونزمّر فيما نمر جوار بعضنا. أنتقل الآن إلى وسط الطريق. بودّي القيام بعمل جيد، وأن آتي على الثلج كله، لكن حين يقترب مني طابور السيارات خلف السيد ويكس أتململ. لا أريد التسبب بأية حوادث. يعدّل الفتى جلسته ويبدأ الحكي مجدداً، ما يجعلني عصبي المزاج.
- «لقد كنت خائفاً عند مجيئي إلى فاييت كونتري».
- «أووه-هه»، أقول. محاولاً ألا أمسّ أية سيارة.
- «اللعنة. مسافرين كثر قُتِلوا هنا».
أحدهم يستلقي على بوق سيارته وهو يعبر، لكن عليّ إتمام ما خلّفه السيد ويكس، غالباً ما أكون شديد القرب من وسط الطريق.
يقول الفتى: «يا يسوع، عظام ذلك الجندي – كان ذلك مرعباً».
تسير آخر سيارة صاعدة الطريق تدريجياً. لكن ظهري يرتجف وكذلك كتفاي وأتعرّق.
- «الجندي»، يقول. «أتعرف قصته؟»
- «لا».
- «عثروا على حقيبته الرياضية أسفل لوفرز ليب. كلاّباته كانت هناك، وعظامه أيضاً».
- «أتذكر. كان ذلك سيئاً للغاية». الثلج يصنع بأنوار جرافتي الأمامية صوراً جميلة، مشاهدتها تشعرني بالراحة.
- «معوّقٌ ضخم لقي حتفه هناك، إنه الوحيد الذي وجدوا لحمه باقياً على جسمه. أما الباقون، فوُجِدوا عظاماً».
- «لم يعثروا على أحد منذ سنوات»، الثلج يدفعني للتفكير بفرنسا، كان الثلج هكذا عند إنزالنا في فرنسا، أتثاءب.
- «لا أعرف»، يقول. «ربما الشخص الذي تسبب بمقتلهم جميعاً قضى هو الآخر».
- «أتصور ذلك»، أقول.
تنحدر التلة ببطء، فنكمل مسيرنا إلى غولاي، لتنظيف الطريق بجانب نيو ريفر. الفتى يدخن ويتشبث جيداً ونحن وسط الثلوج.
- «أثلجت هكذا شتاء عام 1944»، أقول. «كنتُ في سلاح المظليين، وأنزلونا حيث كثير من الألمان. فصيلتي استولت على مزرعة دون إطلاق رصاصة واحدة».
- «اللعنة»، يقول. «هل طعنتموهم إذن؟»
- «جززنا أعناقهم»، أقول. وأرى الفتى كأنه يتدحرج في مكان قذر. الناس يموتون بسهولة.
نصلُ غالوي، حيث آليات أخرى نظفت الطريق. أفرمل، فينضغط صف السيارات خلفي. تتخضخض، أتناول مفتاح الربط.
- «أيها الفتى، ابحث لي تحت المقعد عن ضوء البطارية».
ينحني إلى الامام، جاذباً ما وقعت عليه يده أسفل المقعد. وجهه إلى الناحية الأخرى. وأنا متعب ولن أنظف المقعد.
- «ليس هنا، سيدي».
- «حسناً»، أقول، ناظراً إلى أضواء السيارات. حمقى!
- «شكراً مرة أخرى»، يقول. ينطُّ إلى الأرض وأراقبه يمشي إلى الخلف مشيراً بإبهامه للسيارات. أشعر بإرهاق شديد وبالكاد سأستطيع القيادة. أجلس مراقباً الفتى يمشي إلى الخلف إلى أن تتوقف سيارة من أجله. فتى مهذب، محظوظ لإيجاده من يقلّه ليلاً.
على طريق الجبل، أعدُّ رجالنا في فرنسا، أتوقف لأعدّ من جديد. يتوقف عديّ عند تلك الليلة عندما أثلجتْ. يمر السيد ويكس بي ويزمِّر. لكني لا أبادله التحية. مراراً وتكراراً. أحاول أن أحصي لكني لا أستطيع.
أركنُ قرب منزلي. تهرع خنازيري في مأواها وتشخر. أقف جوار مجرفتي مراقباً حواف الضوء المنبعث للتوّ حول جبل سيويل عبر أغصان الشجر المكسوة بالثلوج. السيارات تُحدث حفيفاً على الطريق النظيف. أضواء المطبخ لا تزال مشتعلة، وأعرف أن المنزل فارغ. الخنازير تحدق بي، تشخر قرب الحوض المخصص لها. إنها بانتظار أن أطمعها وها أنا أتجه إلى حظيرتها.

* بريس د. ج. بانكِيْك (1952 – 1979) كاتب أميركي طوّر أسلوباً خاصاً وغير مألوف في القصة القصيرة. منحته جامعة فيرجينيا قبل وفاته ثلاث جوائز إبداعية أعوام 1976، 1977 و1978. ثم مُنح جائزة من «جمعية المكتبات» في وست فيرجينيا عام 1983. كما رُشِّحَ لاحقاً لـ «جائزة بوليترز». أطلق النار على رأسه وهو في السابعة والعشرين. جُمعت قصصه في كتاب واحد بعنوان «تريلوبيت وقصص أخرى».