عندما عاد جاكوب من نيويورك، اصطحب معه – إضافة إلى الأثاث والملابس التي لم أفهم لماذا كانت واسعة إلى تلك الدرجة – زوجة أميركيّة – إيطاليّة. كان موظّفو البلديّة قد سجّلوا اسمي، وأعطوه عنواني عندما جاء وسأل، فأتى سائحاً بعد أسبوعين. كانت فرانشيسكا لا تشبه والدها القسّ، أو ما أعرفه عن القساوسة. تضحك طوال الوقت وتحبّ الكحول ولحم العجل المشويّ، مهووسة بالرقص وتتحدّث بصوت مرتفع طوال الوقت.


اعتدتها سريعاً، كنت مستعدّاً لأن أعتاد أيّ شيء، وهي سهّلت عليّ المهمّة، إذ بدت قطعة من الأثاث المشحون بدورها. وهذا ليس سلبيّاً، فقد أتى جاكوب بأشياء على صورة تلك البلاد اللامعة، حيث يتراشق الناس بالثلج، ويضعون القبّعات المدوّرة بدلاً من خوذ الموت التي ألفناها. قبّعات مشابهة لقبّعة تشارلي تشابلن، فيصير الواحد منهم تشارلي تشابلن، محتفظاً بحقّه في المرح، والاحتفال متى شاء. لفتتني معاطفه التي أحضرها أيضاً، كانت ألوانها أكثر جذلاً. جلب معه قميصاً فاقعاً يؤاتي كنبات الصالون الحمراء، وكان يلبسه عندما يقابل الأقارب، من يصحّ القول إنّهم أقارب، مستخدماً إيّاه كوثيقة تعريف عن هويّته الجديدة. سئمنا الأحمر ولا أحد غيره يرغب في هذا اللون، إلّا الكنبات الوثيرة – مهلاً، لقد كانت وثيرة لشدّة الجلوس عليها، لا لنوعيّتها الجيّدة – فشقيقي غشّاش، هرب باكراً وعاد متأخّراً. أمضينا وقتاً ممتعاً، حتّى أنّ أخي الأميركيّ اكتشف الصيف في وارسو، قبل أن يغادر على متن باخرة عملاقة في خريف 1945، إلى الأبد. إنّه مثل الكنبات السمينة، وبدا لي لفترة طويلة كنبة مقلوبة تعرف جيداً كيف تمتصّ ثقل الصدمات. أصلاً الكنبات التي أحضرها لم تقنعني. رغم أنّها كانت برّاقة، لم أصدّق أنّها جديدة. كنت أشعر بالبرد إذا جلست عليها، حتّى خلال الصيف. كنبات مثلجة، ما إن تتحسّسها حتّى تشعر بالرغبة في الاسترخاء، والتحوّل إلى إسفنج. يمكن أن نقول إنّها كنبة حداثويّة، تسبق عصرنا، سورياليّة في ألوانها المرقّطة، وتوفّر رخاءً لا مثيل له. لقد تركنا الأميركيّون نموت وانشغلوا بالكنبات. أمّا البلاط، فكان برتقاليّاً ومرقّطاً بحبوب سوداء بدت لي أشبه بغبار متحجّر. مربّعات متوسّطة تظهر عليها آثار الأقدام بوضوح تام، كأنّ أصحابها حفّوا الأرض عمداً. عابرون قساة بلا شكّ خافوا من ارتفاع السقف فانتقموا من الأرض. الحرب مرّت على الكنبات الغبيّة أيضاً ونامت فيها حتّى عشّشت في قلب أوروبا. كان لا بدّ من أميركا لمحو كلّ شيء. أميركا ممحاة الكوكب.
■ ■ ■
لا يمكن أن يكون الزمن زمناً خالصاً بلا تدخّل من أحد، لقد تطفّل البشر بلا شك. وعلى سيرة الزمن، كان المطبخ يطلّ على زمن سحيق. إنّها ميزة من ميزات الطوابق الأرضيّة: الزمن. في الطوابق المرتفعة يتحلّل الزمن، تذيبه السماء التي لم تتغيّر منذ الأزل. غرفتي كانت واسعة بالمقارنة مع الغرفتين الثانية والثالثة، وأحسبها الغرفة الأولى لأنّها كانت ملتصقة بباب المنزل. هكذا، شعرت بأنّي أهمّ ساكن يوم أقام جاكوب وزوجته معي. لكن، بعد أن رحلا، فقدت غرفتي ميزتها، وأصبح المنزل كلّه غرفتي. كلّ من يدخل المنزل كان عليه أن يمرّ بغرفتي، على عكس البيوت التي كانت تُفتتَح بأروقة تحرس حميميّتها. أصلاً، لم أكن أحتاج إلى رواق. فبعد الحرب، تغيّرت أوروبا. أصبحت زيارات الناس بعضهم لبعض ترفاً، وأصبح الاستغناء عن الرواق ممكناً. لا أذكر الغرفتين الباقيتين، ولكنّي قطعاً لم أخترعهما. في واحدة منهما كانت هناك مكتبة كما قلت سابقاً، عليها آثار أصابع وأعقاب سجائر وكؤوس فرغت ولم تجد من يسكب فيها المزيد من الوقت. تسلّقت المكتبة ذات يوم وكسرت ساقي وبكيت من الألم. في الغرفة الثانية كان هناك راديو ضخم، تذكرون الراديوهات الضخمة طبعاً، تلك التي تشبه العظام الآليّة البنّيّة الفاتحة، أخافني الراديو الجديد، أخافني المنزل بأسره. كان منزل أشباح. قضيت في هذا المنزل ثلاث سنوات. اعتدت صحبة الجدران الحيّة والميتة معاً. وكان سجناً أليفاً بشبّاكين طويلين أحدهما يتيح للبصر شقّاً وافراً من الغابة. الأهم من ذلك كلّه، أنّه كان بلا حرّاس. كنت أنا الحارس الوحيد، حارس ذاكرتي. رغم ذلك رضيت أن أتعامل معه كأنّه سجن وأن لا أخون هذه العلاقة. شيءٌ ما في داخلي دفعني إلى التعامل مع أوروبا كلّها كسجن عملاق، حبستها الحرب وحبستنا معها، كما لو أنّنا في حلبة نتصارع فيها مع ذاكراتنا. وكي أغادر ذاكرتي، كان يجب أن أغادر أوروبا، كحال 80 ألف يهوديّ أخطأهم الموت. شقيقي الأميركيّ عاد بعدما اطمأنّ إلى نسل العائلة من الانقراض. لماذا يكترث لنسل ذاكرتي الطويل الذي ينخر عظامي أثناء العمل وأثناء النوم، وطبعاً، عندما يعزف شوبان؟ لا ألومه. يحبّ لويس بريما وفرانك سيناترا. أنا بولنديّ، وكما تعرفون، شوبان أسطورة بولندا وتالياً أسطورتي. سونيتاته تشبه المدينة القديمة، وشخصيّاً، حسنة شوبان العظيمة، أنّ موسيقاه تنسيني خجل النجاة. أصابع شوبان المسلولة هي التأبيد المنطقيّ للألم البولنديّ. أنا البولنديّ الأخير، وهنا وارسو، المدينة النائمة على صليب العالم.

* مقطع من رواية «وارسو قبل قليل» يوّقعها الزميل أحمد محسن، غداً السبت في جناح «دار نوفل ــ هاشيت أنطوان»، بين السادسة والثامنة مساءً.